الصفحة 23 من 32

نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا تُرك منها شيء قالوا: تركت السنة" [1] ، وقال الفضيل بن عياض:"أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وينهون عن أصحاب البدع" [2] ،والنكتة في الأمر أن القصد إلى مرضاة الله ليس له إلا طريق واحد هو الصراط المستقيم، فإما أن ينشغل المكلف به وهو ما جاء عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن ينشغل عنه، ولا يجتمع هذا الضدان أبدًا، والدليل قوله تعالى:"اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب علهم ولا الضالين" [3] فالتزام الصراط المستقيم يقتضي مباينة صراط أهل الجحيم، وكذلك فإن سلوك طريق السنة يقتضي مباينة طريق البدعة."

4 -بغض الحديث والتفريط فيه: وهذا أثر متعلق بالأثر السابق، إذ أنك لا تكاد تجد صاحب بدعة إلا وهو يبغض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قلت: قوم سوء. قال:"ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف بدعته بحديث إلا أبغض الحديث" [4] ، فإذا أبغض الناس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت الأمة لا محالة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [5] فمفهوم المخالفة لهذا الحديث يعني أن من ترك واحدًا من الهديين فقد ضل، ولا شك أن بغض الحديث طريق إلى هجر سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما هو شأن أصحاب البدع والأهواء الذين تعييهم السنن فيبغضوها، فعن عمر بن الخطاب قال:"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا" [6] .

5 -هدم الإسلام: وإنما كانت البدع طريقًا إلى هدم الإسلام لأنها تأتي بما يعارض الإسلام في أصوله وكلياته أو في كثير من جزئياته فلا يبقى للحق مقام ولا مقال، تأمل قول الله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين" [7] ، ومعلوم أن أهل الكتاب جاؤوا بأشنع البدع كبدعة الثالوث وبدعة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض وبدعة الرهبنة كما جاء اليهود ببدع محدثة في صفات الله عز وجل فنسبوا إلى الله تعالى صفة الفقر واللغوب تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ولعنهم لعنًا كبيرًا إلى يوم

(1) الاعتصام - الشاطبي - 61 وقال الإمام الشاطبي رحمه الله أن ابن وضاح خرج هذا الأثر وغيره عن حذيفة رضي الله عنه

(2) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - 1/ 138

(3) سورة الفاتحة - 6 - 7

(4) شرف أصحاب الحديث - أحمد بن علي البغدادي - 1/ 73

(5) المستدرك على الصحيحين - الحاكم النيسابوري - 1/ 172، وأخرجه البيهقي وغيره

(6) سنن الدارقطني - 4/ 146

(7) سورة آل عمران - 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت