1 -بقاء نمط تقسيم العمل الدولي بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية كما هو، وهو النمط الذي فرض على مجموعة البلدان الأخيرة أن تتخصص في إنتاج وتصدير المواد الخام والأولية وأن تستورد في مقابل ذلك احتياجاتها من السلع الاستهلاكية والإنتاجية المصنعة، والمواد الغذائية، وبذلك تمكنت البلدان المتقدمة من تأمين حصولها على ما كانت تحتاج إليه من المواد الخام الحيوية التي تنتجها البلدان النامية. كما كان بقاء هذا النمط الأساس الموضوعي الذي اعتمدت عليه الرأسمالية العالمية في استمرار إخضاع البلدان النامية لتبعيتها، تجاريا وماليا وتقانيا. ولم تنجح محاولات التصنيع المحدود التي قامت في بلدان المحيط بعد حصولها على استقلالها السياسي، والتي قامت على أساس"الإحلال مكان الواردات"أو على أساس"الإنتاج من أجل التصدير"- لم تنجح في إحداث تغيير جوهري في بنية نمط تقسيم العمل الدولي، وبهذا الشكل تكفل نمط تقسيم العمل الدولي فيما بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية الذي أرست دعائمه إبّان المرحلة الكولونيالية، بإعادة إنتاج علاقات السيطرة والهيمنة على البلدان النامية. وهو أمر كانت له أهمية بالغة في تعضيد نمو الرأسمالية العالمية لعالم ما بعد الحرب [1] .
2 -نظام النقد الدولي الذي أرسيت دعائمه في اتفاقية بريتون وودز عام 1944، وهو النظام الذي تمكنت من خلاله الولايات المتحدة أن تجعل الدولار الأمريكي العملة الدولية ومصدر السيولة العالمية، نظرا لالتزامها بقابلية تحويله للصرف ذهبا على أساس ثابت (35 دولار للأوقية) ، وقد استهدف هذا النظام تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف وتوفير السيولة الدولية وإيجاد نظام متعدد الأطراف للمدفوعات الدولية. وقد لعب نظام النقد الدولي وبالذات إبّان سنوات تشغيله الناجحة في الأربعينات والخمسينات وحتى النصف الأول من الستينات، دورا مهما في خدمة توسع الرأسمالية الأمريكية خارج حدودها (في دول غرب أوروبا وبلدان المحيط) . كما رسم إطارا مستقرا لنمو حركة التجارة الدولية والاستثمارات الخارجية في ضوء ما حققه من ثبات نسبي في أسعار الصرف وتوفير السيولة فيما بين هاتين المجموعتين من البلدان [2] . ومن المعلوم أن الظاهرة تعبر عن نفسها في ذلك التدهور الذي تشهده العلاقة النسبية بين أسعار الصادرات للسلع والمواد الخام التي تنتجها بلدان المحيط في مقابل أسعار السلع المصنعة التي تنتجها بلدان المركز، وهي الظاهرة التي تتمكن من خلالها البلدان الأخيرة من امتصاص ونهب جانب كبير من الفائض الاقتصادي المتحقق في بلدان المحيط. وقد
(1) رمزي زكي: الاعتماد على الذات: بين الأحلام النظرية وضراوة الواقع والشروط الموضوعية- دار الشباب للنشر والترجمة والتوزيع- نيقوسيا 1987 - ص 35.
(2) ر. زكي: التاريخ النقدي للتخلف: سلسلة عالم المعرفة رقم 118. الكويت 1987 ص ص -86/ 87.