إليه شيئا، ثم سمعه وهو مدبرٌ، يضرب فخذه وهو يقول: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) } الكهف: 54" [1] ."
الحديث الرابع: عن علي كرم الله وجهه قال:"إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن متعة النساء [2] , "
(1) أخرجه البخاري برقم (7347) ، ومسلم برقم (775) .
(2) متعة النساء: هي النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء: بالانتفاع به. يقال: تمتعت به أتمتع تمتعًا. والاسم: المتعة، كأنه ينتفع بها إلى أمد معلوم. وقد كان مباحًا في أول الإسلام ثم حرم, النهاية (4/ 292) , وفي التعريفات قال:"نكاح المتعة: هو أن يقول الرجل لامرأة: خذي هذه العشرة وأتمتع بك مدة معلومة، فقبلته" (1/ 246) .
وقد ذكر الإجماع على تحريم المتعة عن العلماء إلا الروافض, ومنهم من أهل البيت كعبدالله والحسن ... إبنا محمد بن الحنفية, فهما من روي عنهما هذا الحديث, وأنكرا على ابن عباس - رضي الله عنه - , إباحته ... لها, والصحيح أنه رجع عن ذلك, وسأنقل هنا بعض التفصيل في ذلك عن بعض أهل العلم في المتعة لأن الرافضة يدينون بها, ومنها الآتي:
جاء من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة عن كلام الرافضي على متعة الحج والنساء والتعليق على كلامه ما نصه:"وأما ما ذكره من نهي عمر عن متعة النساء فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أنه قال ... لابن عباس - رضي الله عنه - , لما أباح المتعة: إنك امروء تائه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة, وأحفظهم لها أئمة الإسلام في زمنهم, مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما, ممن اتفق على علمهم, وعدلهم, وحفظهم, ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح, يتلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه، وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها غزاة الفتح إلى يوم القيامة", انتهى كلامه رحمه الله (4/ 189) .
وعن الملا علي قاري في شرحه للحديث ما أَخْتَصِرُهُ هنا في قول علي - رضي الله عنه:"أن رسول الله نهى عن متعة النساء, المتعة أن تقول لامرأة أتمتع بك كذا مدة, بكذا من المال, قال النووي المختار إن الحل والحرمة كانا مرتين, كانت حلالًا قبل خيبر, ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت يوم فتح مكة, وهو عام أوطاس لاتصالهما, ثم حرمت بعد ثلاثة أيام مؤبدًا إلى يوم القيامة, يعني أن يوم الفتح وعام أوطاس واحد لأنه بعد الفتح بيسير, وجاء عن سلمة بن الأكوع قال رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أوطاس موضع بالطائف, وقيل: اسم واد من ديار هوازن, قسم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين في المتعة ثلاثا, قال بعض الشراح: أي رخص في المتعة في هذا الغزو ثلاث ليال ثم نهى عنها, واختلاف الرواة في وقت النهي لتفاوتهم في بلوغ الخبر إليهم, والتوفيق بين هذا الحديث وحديث علي - رضي الله عنه - , أنه رخص عام أوطاس بعدما نهى عنه لضرورة دعت إليها, ثم نهى عنها ثانيا, ويدل عليه قوله:"ورخص في المتعة ثلاثا"رواه مسلم برقم (1405) , وفي الهداية قال مالك: هو جائز, قال ابن الهمام: ونسبته إلى مالك غلطٌ, وقوله: لأنه كان مباحًا فيبقى إلى أن يظهر النسخ, هذا متمسك من يقول بها, كابن عباس, قال الملا علي:"قد ثبت النسخ بإجماع الصحابة", هذه عبارة المصنف وليست الباء سببيةً ... فيها, ... فإن المختار أن الإجماع لا يكون ناسخًا, اللهم إلا أن يقدر محذوف أي: بسبب العلم بإجماعهم, أي: لما عرف إجماعهم على المنع علم أنه نسخ بدليل النسخ, أو هي للمصاحبة, ... أي: لما ثبت إجماعهم على المنع علم معه النسخ, وأما دليل النسخ بعينه فما في صحيح مسلم ... أنه حرمها يوم الفتح, وفي الصحيحين أنه حرمها يوم خيبر, والتوفيق أنها حرمت مرتين, قيل: ثلاثة أشياء نسخت مرتين, المتعة, ولحوم الحمر الأهلية, والتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة, وقيل: ... لا يحتاج إلى الناسخ لأنه إنما كان أباحها ثلاثة أيام فبانقضائها تنتهي الإباحة, وذلك لما قال محمد بن الحسن:"بلغنا عن رسول الله أنه أحل المتعة ثلاثة أيام من الدهر في غزاة غزاها, اشتد على الناس فيها العزوبة, ثم نهى عنها", وهذا لا يفيد أن الإباحة حين صدرت كانت مقيدة بثلاثة أيام, ولذا قال:"ثم نهى عنها", وهو يشبه ما أخرجه مسلم عن شبرمة بن معبد الجهني قال:"أذن لنا رسول الله بالمتعة, فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر, كأنها بكرة عيطاء, فعرضنا عليها أنفسنا, فقالت: ما تعطيني, فقلت: رداء لي, وقال صاحبي: ردائي, وكان رداء صاحبي أجود من ردائي, وكنت أشب, فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها, وإذا نظرت إلي أعجبتها, ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني, فمكثت معها ثلاثا, ثم إن رسول الله قال:"من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن, فليخل سبيلها", وفي صحيح مسلم عنه:"كنت أذنت لكم في الاستمتاع في النساء, وقد حرم الله ذلك إلى يوم القيامة", والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة, وابن عباس صح رجوعه بعدما اشتهر عنه من إباحتها, وحكي عنه: أنه إنما أباحه حالة الاضطرار, والعنت في الأسفار, ولهذا قال الحازمي: أنه لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم, وأباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات, ... حتى حرمها عليهم في آخر سنة في حجة الوداع, وكان تحريم تأبيد لا خلاف فيه بين الأئمة, وعلماء الأمصار, إلا طائفة من الشيعة, ا ه.
قال القاضي عياض: أحاديث إباحة المتعة وردت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم, وعدم النساء ... مع أن بلادهم حارة, وصبرهم عنهن قليل, وقد ذكر في حديث ابن عمر أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة ونحوهما, أجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول أو بعده, إلا ما قال زفر من نكح متعة تأبد نكاحه وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح, فإنها تلغى ويصح النكاح, ا ه. وفيه أن زفر فرق بين النكاح المؤقت وبين المتعة, فالمتعة باطل بالإتفاق, وهي أن يكون بلفظ المتعة والتمتيع سواء يكون مؤقتًا ... أو لا, والمؤقت هو أن يكون بلفظ النكاح والزواج مقيدًا بزمان معين", انتهى كلامه مختصرًا ... من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح برقم (3147) (5/ 286) ."
وانظر أيضًا: شرح النووي على صحيح مسلم باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة, وحكى تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض (9/ 179 - 181) , وفتح الباري (9/ 173 - 174) ونيل الأوطار (6/ 159 - 165) .
وانظر: أدلة هذه المسألة عند المخالفين والرد عليها في رسالة تحريم نكاح المتعة لأبي الفتح المقدسي ... فهو من أوائل من ألف كتابا مسقلًا فيها (1/ 98 - 123) ، وانظر: التفسير الكبير للرازي (10/ 42 - 44) ، وأضواء البيان للشنقيطي [ (1/ 122) (1/ 236 - 238) ] , فقد بسطوا القول في المسألة ... بما لا يتسع هذا الموضع لبسطه فليراجع هناك.