ثم إن يزيد بن معاوية هو أول من أظهر الشرب جهارًا, من غير إستتارٍ ولا مبالاة بحكم الشريعة [1] , بل كسر حرمتها, بإظهار المعصية غير متحاشٍ, ولا مبالٍ بصاحب شريعةٍ, بل كسر حرمتها, ويقال: التهاون بالمعصية والسرور بها أعظم من ارتكابها.
ويقال:"من عصى الله وهو مضحاك دخل النار" [2] .
وهو أول من اتخذ الغلمان, ولعب بالصيود [3] , وتفكه بما يضحك به المترفون والملوك, ولعب بالقرود والديكة والكلاب, وما كان عرف ذلك قبله في ملوك الإسلام [4] . ثم إنه اشتغل باللعب واللهو عن القيام بأمر العباد, ومصالح البلاد. ولم يكن يعرف قبله اللهو واللعب في أمراء المسلمين [5] .
(1) انظر: البداية والنهاية (8/ 216) .
(2) لم أقف عليه, وأقرب وأصح منه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه", البخاري واللفظ له برقم (6069) , وعند مسلم برقم (2990) ."
(3) الصيود، كقبول: الصياد، يقال كلب صيود، وصقر صيود وقيل: الصيود: فرس مشهور نجيب, انظر: تاج العروس (8/ 306) , والمعجم الوسيط (1/ 530) .
(4) انظر: البداية والنهاية (8/ 79 و 235) , ولم يثبت ابن كثير رحمه الله ذلك على يزيد ولم ينفه, ... وإنما قال والله أعلم بصحته, فلو كان ثابتا لأثبته أو أشار بذلك.
(5) أورد البلاذري ما يرد ذلك في شأن يزيد ويشكك في هذه الطعون التي ذكرت فيه, وذلك بشهادة من محمد بن الحنفية -وهو من هو ثقة وديانة- فاورد أنه:"عندما دخل على يزيد فسأله يزيد بقوله لمحمد بن الحنفية:"يا أبا القاسم، إن كنت رأيتَ مني خُلُقًا تنكره نَزَعت عنه، وأتيت الذي تُشير ... به علي؟ فقال: والله لو رأيت منكرًا ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لِما أخذ الله على أهل العلم من أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرًا". أنساب الأشراف (3/ 278) , وأورد أيضا أنه لما:"شخص ابن الحنفية من الشام حتى ورد المدينة، فلما وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى ابن الزبير، وأتاهم مسلم بن عقبة المري في أهل الشام، جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مطيع في رجال من قريش والأنصار فقالوا لابن الحنفية: أخرج معنا نقاتل يزيد. فقال لهم محمد بن علي: على ماذا أقاتله ولم أخلعه؟! قالوا: إنه كفر وفجر وشرب الخمر وفسق في الدين. فقال لهم محمد بن الحنفية: ألا تتقون الله هل رآه أحد منكم يعمل ما تذكرون؟ ... وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيت منه سوءا. قالوا: إنه لم يكن يطلعك على فعله. قال: أفأطلعكم أنتم عليه؟! فلئن كان فعل إنكم لشركاؤه؟ ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم على غير ... ما علمتم", (3/ 278 - 279) ."
وأورد أيضًا عن المدائني قال: دخل عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - على يزيد فقال: كم كان أبي يعطيك في كل سنة؟ قال: ألف ألف، قال: فإني قد أضعفتها لك، فقال ابن جعفر: فداك أبي وأمي ووالله ما قلتها لأحد قبلك، قال: فقد أضعفتها لك، فقيل أتعطيه أربعة آلاف ألف؟! فقال: نعم إنه يفرق ماله، فإعطائي إياه إعطائي أهل المدينة", برقم (774) , فانظر كيف يفدي هذا الصحابي يزيد بأبويه لتعلم حال يزيد وأنهم كانوا يرون منه خيرا لا شرًا, وإلا لما دافعوا عنه وفدوه, والله أعلم بحاله ومآله, ولا نزكي على الله أحدًًا, ولكن كان له خير وعليه شر, وهو ليس بمعصوم, ولا صحابي, وإنما هو من ملوك الإسلام, ومن الولاة من هو شر منه, ظلما وجورا وفجورا, وهو لا يخرج عن أنه من أهل القبلة, إلا ببرهان جلي, وأين ذاك, بل إن ابن كثير رحمه الله ذكر في خبر محمد بن الحنفية رحمه الله, أنه أبى حتى على أبنائه الخروج عليه عندما جاءه أهل المدينة, واتهموا يزيد فقال:"مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواضبًا على الصلاة, متحريًا للخير, يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة، قالوا: ... فإن ذلك كان منه تصنعًا لك.
فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا ... بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) } الزخرف: 86, ولست من أمركم في شئ، قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك, فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعًا ولا متبوعًا. قالوا: فقد قاتلت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا، قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما تحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله!! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه, إذًا ما نصحت لله ... في عباده. قالوا: إذًا نكرهك. قال: إذًا آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة", البداية والنهاية (8/ 255) , كما ذكر أن ابن عمر - رضي الله عنه - جمع بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , يقول: ..."إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة, يقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر, إلا أن يكون الإشراك بالله، أن يبايع رجلٌ رجلًا على بيع الله ورسوله, ثم ينكث بيعته", وهذا الحديث عند مسلم برقم (1735) , فهل يطعن في هؤلاء وصنيعهم منصف؟ , وما يتبين من هذه الأمور إلا أن يزيد كان من أهل الصلاة والقبلة, والبذل والعطاء, قائما بأركان دينه, فلنا أن نقبل الحسنة التي فيه, ونمسك عن مساويه. وكما ذكر ابن كثير أيضا عن أبي معشر والواقدي أنه في سنة (51 هـ) حج بالناس يزيد بن معاوية, فمن يشهد له بالصلاة والحج, وهي من أعظم أركان الإسلام وأظهرها, ألا تكون له حرمة والمال والدم العرض؟ ولا طائل من ذكر مساوئ يزيد ولا غيره من موتى المسلمين ... وإنما نواليه ونحب, من كان من أهل القبلة حاكم ومحكوم, وحيهم وميتهم, بما فيهم من خير, ونبغضهم ونعاديهم بما فيهم من شر, والإمساك عن من مات منهم أولى وأسلم, قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) } البقرة: 134, ويزيد ممن كان في غزو القسطنطينة وقد صح الحديث أنهم مغفورا لهم, فقد روى البخاري عن"أم حرام: أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله ... أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا", برقم (2924) , وعند مسلم برقم (1912) .