وقد تفرقت طوائف الرافضة فرقًا كثيرة العدد يلعن بعضهم بعضًا, ويوسع أحدهما ما بناه الآخر هدمًا ونقضًا.
فمنهم الكيسانية [1] :
[108/أ]
أصحاب كيسان مولى أمير المؤمنين علي - عليه السلام - , اعتقادهم أن الدين طاعة رجل يعنون به الإمام, وذهب بعضهم إلى ترك الفرائض, إذا وصل إلى طاعة الرجل, يعني الإمام / ويقولون بالحلول [2] .
والرجعة [3] بعد الموت, ويعتقدون أن الإمام قد أحاط بالعلوم كلها.
(1) مقالات الإسلاميين (1/ 35) , الفرق بين الفرق (1/ 27) , الملل والنحل (4/ 137 - 141) , والتبصير في الدين (1/ 30 - 34) , اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (1/ 62 - 63) , فرق الشيعة للنوبختي (1/ 47 - 48) .
(2) الحلول حلولان فمنه السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين, بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة ... إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيسمى الساري: حالًا، والمسري فيه: محلًا, وإما الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز, وكلا المعنيين ينزه الله تعالى عنه, وقد ادعى غلاة الرافضة, وبعض المتصوفة بأن الله سبحانه وتعالى يحل ببعض المخلوقين, أو أنه حال بالمخلوقات، وأول ما ظهر هذا المذهب عند الرافضة فغلوا في النبوة والإمامة, فزعموا أن الله تعالى حال في أئمتهم, بل قالوا: أنه أنه يحل في الأنبياء والأئمة وينتقل من واحد إلى واحد آخر, حتى ادعى بعض اتباعهم الوهيته من هذا الباب كما هو حال بيان بن سمعان فقد كان يدعي لنفسه الإلهية على معنى الحلول, وتبعهم الصوفية بعد ذلك بالقول بالحلول فقد ادعى ذلك الحلاج وغيره منهم، ينظر: الفرق بين الفرق (1/ 11 و 246 - 249 و 254) ، والتبصير (1/ 124) , واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (1/ 73) , والملل والنحل (1/ 18) , والتعريفات للجرجاني (1/ 92) .
وقد عرف به التهانوي بقوله:"فكرة شيطانية مفادها أنه يجوز أن يظهر اللَّه في صورة بعض خلقه، ... وعلى ذلك أطلقوا الإِلهية على البشر، ومن الحلولية النصارى حيث قالوا: حَلَّ اللَّه في عيسى، والسبئية، وغلاة الشيعة، وغلاة المتصوفة", انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، ت: لطفي عبد البديع، (2/ 108) .
(3) الرجعة: قال الجوهري والفيروزآبادي:"فلانٌ يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت", الصحاح (3/ 1216) , والقاموس المحيط (3/ 28) , ويطلق على الرجعة الكرة أيضا، وهي مرادفة لها، قال الجوهري:"الكر: الرجوع، يقال: كره وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى", الصحاح ... (2/ 805) , وهي عقيدة ثابتة عند الشيعة في علي - رضي الله عنه - , والأئمة من بعده, بل وقالوا بها لبعض المؤمنين عندهم, ولهم روايات في ذلك تؤكد اعتقادهم بها, فقد جاء في الكافي ما نصه: في حديث ينسبونه لعلي - رضي الله عنه:"وإني لصاحب الكرات ودولة الدول", في باب:"أن الأئمة عليهم السلام ... هم أركان الأرض", (1/ 198) . وفي بحار الأنوار في زيارته - رضي الله عنه - ما نصه:"السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة" (100/ 349) , بل وقد صنف بعض علماء الرافضة كتبا في الرجعة, منها كتاب شيخهم الحر العاملي:"الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة", وهي تعد من أصول مذهب الرافضة, ومن أدلتهم في ذلك ما يروونه فيها من أمثال هذه الروايات الباطلة, ومنها أيضًا ما أورده ابن بابويه القمي في من لا يحضره الفقيه:"ليس منا من لم يؤمن بكرتنا", (3/ 291) ، والحر العاملي في وسائل الشيعة (7/ 438) ، وفي تفسير الصافي (1/ 347) ، والمجلسي بحار الأنوار (53/ 92) , وقال ابن بابويه في الاعتقادات:"واعتقادنا في الرجعة أنها حق", (1/ 90) , وقال المفيد في أوائل المقالات:"واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات", (1/ 51) .
ومن جانب آخر فهم يعتقدون بها لأشخاص آخرين من أعدائهم كما يزعمون مواساةً وتعزيةً منهم لباطلهم, وأنفسهم بها, ولهم روايات تدل على ذلك في كتبهم منها ما رواه المجلسي:"لترجعن نفوس ذهبت، وليقتصن يوم يقوم -ويقصدون به قائمهم الذي في السرداب-، ومن عذب يقتص بعذابه، ومن أغيظ أغاظ بغيظه، ومن قتل اقتص بقتله، ويرد لهم أعداؤهم معهم، حتى يأخذوا بثأرهم، ... ثم يعمرون بعدهم ثلاثين شهرا، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوهم إلى أشد النار عذابا. ثم يوقفون بين يدي الجبار عز وجل فيؤخذ لهم بحقوقهم", بحار الأنوار (53/ 44) , ويقول الطبرسي في مجمع البيان:"ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها!، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده", (7/ 406) , وقال بإجماعهم الحر العاملي في الإيقاظ من الهجعة (1/ 65) , وقد ذكر المجلسي: ..."أنهم أجمعوا على القول بها في جميع الأعصار"، وأنها من ضروريات مذهبهم", في الإيقاظ من الهجعة (1/ 60) . والكلام يطول عن استقصاء أمرهم في هذه العقيدة الفاسدة في الرجعة, ولا شك ... أنها إنما اختلقوها ليشفون بها غيضهم من المؤمنين, ومن أدل الدلالات على كذبهم فيها ادعائهم إياها في أكثر من إمام من أئمتهم, وانقسامهم فيها, وهكذا حال الرافضة في الإمامة والزعامة المكذوبة, التي يدعونها في كل مرة لأحد من آل بيت النبوة, وغيرهم من ظلالهم, كحال المختار هذا, وبيان بن سمعان وغيرهم, عافانا الله من غيهم وضلالهم وشركهم."