فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 586

[79/أ]

وكان أمير المؤمنين - رضي الله عنه - مع زهده / في الدنيا, وتجافيه لها, وتخشنه في أكله, وشربه, وملبسه, ومشيه في الأسواق بصدرة [1] خام بها عدة رقاع, وجلوسه على التراب, ونومه عليه منفردًا بغير حُجَاب, ولا حراسة, مهيبًا في نفسه, عظيم الشان, مطاع الأمر والسلطان, قد ملأت مهابته قلوب كافة الخلق, على اختلاف طبقاتهم, وتباين حالاتهم, من برٍ وفاجر, ومأمور وآمر, لا يخالف في أمره, ولا يراجع في قوله, قد طبقت الآفاق معدلته, وعمت البر شفقته وبركته, وقيدت همم الأبطال مهابته, فلم يتجاسر ذو همةٍ ... في إمارته أن يهم بالخروج عليه, ولا ذو عزيمة أن يصرف عزيمته إليه, بل كل مطيع لأوامره, مجانب لنواهيه وزواجره.

فمما يحكى من مهابته:"أنه جاءه بعض دهاقنة الكوفة, يشكو عنده من العامل ... بها, فوجده ظاهر المدينة نائمًا على التراب, بإنفراده وليس عنده أحد من خلق الله تعالى, وقد جعل شيئًا من التراب تحت رأسه عوضا عن الوسادة, فجعل الدهقان يتعجب ... من ذلك, وظن أن هذا لا يقضي حاجته ولا يرد - رضي الله عنه - ظلامته, ثم قال: في نفسه أخاطبه على كل حال, فدنا منه وسلم عليه, فاستوى عمر - رضي الله عنه - جالسًا, وقال: له ما شأنك, فقال له: أنا الدهقان من دهاقنة الكوفة, قد ظلمني عاملك بها, وغصبني ضيعة لي, فقال ... له عمر - رضي الله عنه: ائتني بقطعة من جرابك, فأعطاه الدهقان قطعة من جرابه, ثم أخذ من الأرض"

(1) وهي التي تعرف اليوم عندنا بالسديرية لباس يكون على هيئة قميص بدون أكمام, إلى السرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت