فجعلوا يحمدون الله تعالى, ويشكرونه, ويستبشرون, وعينا عمر يذرفان بالدموع, فقال له عبد الر حمن بن عوف: كرامة الله عز وجل, ادخرها لك يا أمير المؤمنين, وجعلها على يدك, فقال عمر: - رضي الله عنه - اللهم إنك بعثت رسولك برسالاتك, وهو خيرتك من خلقك, زويت عنه الدنيا حتى أخرجته منها سالما, فإنا على يقين أن غير ذلك لو كان به, ثم كان الخليفة من بعده ففعلت به ذلك لإتباعه أمر نبيك - صلى الله عليه وسلم - , وقيامه به, اللهم وقد ابتليت ... بما ترى, فأعوذ بك أن يكون هذا مكر بعمر, والله إن عمر ليعرف, إن هو أصاب ... منه شيئًا أن قد مكر به" [1] ."
وقال أبو موسى الأشعري [2] :"رأيت في المنام كأني انتهيت إلى جبل, فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقه, وأبو بكر إلى جنبه, وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال, فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون, مات عمر, قال أنس: فقلت له: ألا تكتب إلى عمر بذلك, قال: ما كنت لأنعي إلى عمر نفسه" [3] .
[75/أ]
ورثي أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - بهذا الشعر؛ واختلف فيها, فقيل:/ أنها لا [بن] [4] أخي الشماخ [5] , وقيل أنها سمعت من هاتف ينشدها:
(1) لم أقف عليه.
(2) هو عبد اللَّه بن قيس بن سليم بن حضّار بن حرب الأشعري، صحابي جليل، قارئ للقرآن فقيه، جاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستعمله على زبيد وعدن، واستعمله عمر - رضي الله عنه - على الكوفة والبصرة، ثم عثمان على الكوفة, واختاره علي - رضي الله عنه - ليكون أحد الحكمين بعد وقعة صفين، توفي - رضي الله عنه - , بالكوفة سنة ... (44 هـ) , وقيل: (50 هـ) وقيل بعدها. انظر: أسد الغابة، برقم (3135) (3/ 263) ، والسير (2/ 380) , والإصابة برقم (4889) (4/ 119) والتقريب برقم (3542) , (1/ 318) .
(3) أخرجه ابن أبي شيبه في مصنفه برقم (31161) .
(4) لم أقف على من قال: أنها [لابن] أخي الشماخ, ولعله خطأ من الناسخ, وقال ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر في نسبة هذه الأبيات بعد إيراده لها:"وهذه الأبيات للشماخ يرثيه بها, -يعني عمر - رضي الله عنه - وقيل: هي للمزرد, وقيل: لجز بن ضرار أخي الشماخ, وروت عائشة أنها حجت مع عمر ... في آخر حجة حجها, قالت: فلما كنا بالمحصب, جاء رجل فنزل فرفع عقيرته يتغنى بهذه الأبيات, فقلت لبعض أهلي أعلمي علم هذا الرجل, فذهبت فلم تجده, وينحل الناس هذه الأبيات مزرد ... بن ضرار, فلما ولي عثمان لقي مزردًا, فقال: أنت صاحب الأبيات, قال: والله يا أمير المؤمنين ... ما قلتهن, فيرون أن بعض الجن رثاه", ص (77 - 78) , والله أعلم.
(5) ترجم له ابن حجر ترجمة مطولة منها:"الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان بن أمامة بن عمرو ... بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان الغطفاني, يكنى أبا سعيد, وأبا كثير, وأمه معاذة بنت بجير بن خلف من بنات الخرشب, ويقال: إنهن أنجب نساء العرب, كان شاعرًا مشهورا قال أبو الفرج الأصبهاني أدرك الجاهلية والإسلام وقال يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم: تعلم رسول الله أنا كأننا ... أفأنا بأنمار ثعالب ذي غسل ... ,"وقال ابن حجر في ترجمته أيضًا:"روى الفاكهي بإسناد صحيح عن أم كلثوم، فذكره وفي آخره فنحل الناس هذه الأبيات الشماخ بن ضرار أو أخاه جماح بن ضرار، وروى عمرو بن شبة هذه القصة فقال في آخرها: أو أخاه جزء بن ضرار، ورواه من وجه آخر ... عن عائشة، وليس فيه جزء بن ضرار بل فيه مثلما عند الفاكهي جماح بن ضرار"، الإصابة (3/ 353 - 354 و 356) .