وقد ترجم البخاري عدة أبواب، مفندًا فيها هذا الرأي، مثبتًا أن الخمر اسم لكل مسكر. لا فرق بين عصير العنب وغيره، ولا بين القليل والكثير، فيقول: (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ) ، (بَابُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنَ البُسْرِ وَالتَّمْرِ) ، (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العَسَلِ، وَهُوَ البِتْعُ) ، (بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ) ، (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) [1] .
2 -شرط المصر في الجمعة: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَا تُقَامُ الجُمُعَةُ عِنْدَهُ فِي القُرَى الصَّغِيرَةِ، وَقَدْ رَدَّ البُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي تَرْجَمَتِهِ (بَابُ الجُمُعَةِ فِي القُرَى وَالمُدُنِ) [2] .
3 -نصاب الزكاة في الزروع والثمار: فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ العُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ، فِي قَلِيلِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ وَكَثِيرُهُ، أَخْذًا بِعُمُومِ الحَدِيثِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» . وقد روى البخاري هذا الحديث، ولكنه روى عقبه حديث: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» ، ثم قال: «هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، [يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ،"وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ"] ، وَبَيَّنَ فِي هَذَا، وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ» .
وقد قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، حَيْثُ أَخَذَ بِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ حَدِيثُ"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ ..."، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مُبْهَمٌ، يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، - وَهُوَ"لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ ..." [فَالوَاجِبُ الأَخْذُ بِهِ لَا بِالمُبْهَمِ فَافْهَمْ] » [3] .
(1) "البخاري بحاشية السندي": 2/ 321، 323، وانظر"الهداية": 4/ 80، 85 مطبعة صبيح بالأزهر؛ و"فتح القدير: 4/ 181، 182."
(2) "البخاري بحاشية السندي": 1/ 105.
(3) "البخاري بحاشية السندي": 1/ 170. وَالعَثَرِيُّ: قِيلَ هُوَ الذِي تَسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَرَجَّحَ ابْنُ العَرَبِيُّ أَنَّهُ شِبْهُ نَهْرٍ يَحْفِرُ الأَرْضَ ("الترمذي": 3/ 132) .