فهل تعني هذه العبارة وجوب غسل هذا الدم وإزالته؟ إن العبارة ليست نصًا في هذا المعنى، ولذلك يقول ابن قدامة: «وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ - أَيْ كَوْنِهِ طَاهِرٌ -، وَقَوْلُ أَحْمَدَ:"إنِّي لأَفْزَعُ مِنْهُ"لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِهِ فِيهِ» [1] .
والحذر من الجزم بالتحليل والتحريم، الذي أخذ المحدثون أنفسهم به كان شائعًا عند معظم السلف والأئمة السابقين. يصرح بذلك الإمام مالك فيقول: «لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا، وَلَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ يَقُولُ فِي شَيْءٍ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، مَا كَانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ هَذَا وَنَرَى هَذَا حَسَنًا، وَنَتَّقِي هَذَا وَلَا نَرَى هَذَا، [وَزَادَ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ] ، وَلاَ يَقُولُونَ: حَلاَلٌ وَلَا حَرَامٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] الْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ العِلْمِ رَأْيًا وَاسْتِحْسَانًا لَمْ [يُقَلْ] فِيهِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ» [2] .
وهنا امتنع بعض العلماء عن الإفتاء في بعض المسائل المشكلة، مثل سفيان بن عيينة الذي كان لا يفتي في الطلاق، ويقول: «مَنْ يُحْسِنُ هَذَا؟» [3] .
وقد سرد ابن القيم بعض مسائل مأثورة عن الإمام أحمد، تجنب فيها التصريح بالتحليل والتحريم: فمن ذلك، «أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَدْ قَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ
(1) "المغني": 2/ 103.
(2) "جامع بيان العلم وفضله": 2/ 146، والآية هي 59 من سورة يونس.
(3) انظر"إعلام الموقعين": 1/ 36.