وقد ذكرنا من قبل كيف أن المحدثين كانوا يتجنبون في تراجمهم القطع بالتحليل والتحريم، وكانوا يستبدلون به العبارات المحتملة التي لا تدل على الجزم بالحكم بقدر دلالتها على الانطباع النفسي والرأي الشخصي، من مثل قولهم:
(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَذَا) ، أو (بَابُ تَرْكِ كَذَا) ، أو (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي كَذَا) ، أو (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي كَذَا) ... الخ هذه العبارات.
كما كانوا ورعين في تعليقاتهم الفقهية على الأحاديث، فالدارمي مثلًا يروي حديث: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» ، ثم يقول: «أَنَا أَتَّقِي الحِجَامَةَ فِي الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ» [1] .
ويروي حديث: «لَا تَكْتَحِلْ بِالنَّهَارِ وَأَنْتَ صَائِمٌ، اكْتَحِلْ لَيْلًا بِالإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو البَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» ، ثم يعلق الدارمي قائلًا: «لَا أَرَى بِالكُحْلِ بَأْسًا» [2] .
وفي حديث «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» يقول: «فِي فَرْضِ الوَاجِبِ أَقُولُ بِهِ» [3] .
وَلاَ قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ، وَلَا يَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ، وَإِنِّي أَخَافُ، فَإِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَالحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ» قال النسائي: «هَذَا الْحَدِيثُ جَيِّدٌ جَيِّدٌ» . (انظر"النسائي": 8/ 230، 231) .
(1) "سنن الدرامي": 2/ 14، 15. وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في (بَابُ الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ) لأنه لم يصح عنده، واكتفى بأن روى حديث ابن عباس المبيح للحجامة، وهو: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ» . انظر"البخاري بشرح السندي": 1/ 218. ولم يرو الدارمي ما يبيح الحجامة.
(2) و (3) "الدارمي": 2/ 15 و 17 على التوالي.