فالشافعي - مع قوله بحجية الإجماع واستدلاله له - يقول: «لَسْتُ أَقُولُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، إِلَّا لَمَّا لَا تَلْقَى عَالِمًا أَبَدًا إِلَّا قَالَهُ لَكَ، وَحَكَاهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ، كَالظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَكَتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا» [1] .
وأحمد بن حنبل يقول: «مَنْ ادَّعَى الإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا» [2] .
ومما يدل على أن موقف الظاهرية من الإجماع متأثر كذلك بحملة خصومهم عليهم - أنهم مع تسليمهم بحجية الإجماع يختلفون مع الجمهور في موضعين: أحدهما أن الإجماع لا بد من استناده إلى نص. وثانيهما: كما يقول ابن حزم: «دَعْوَاهُمْ - أَيْ غَيْرَ الظَّاهِرِيَّةِ - الإِجْمَاعُ فِي مَوَاضِعَ ادَّعُوا فِيهَا البَاطِلَ بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ بِلَا بُرْهَانٍ: أَمَّا فِي مَكَانٍ قَدْ صَحَّ فِيهِ الاِخْتِلَافُ مَوْجُودًا وَإِمَّا فِي مَكَانٍ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ فِيهِ اِخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ وُجُودَ الاِخْتِلَافِ فِيهِ مُمْكِنٌ» [3] .
هذه ملامح من فكرة الظاهرية عن الإجماع، وهي في جوهرها تؤكد أن الإجماع عندهم لا يخرج عن أن يكون نصوصًا مجمعًا عليها.
الدَّلِيلُ:
بعد أن عرضنا لمفهوم النصوص والإجماع عند الظاهرية، ننتقل
(1) "أصول التشريع"، للأستاذ علي حسب الله: ص 102. وانظر"الشافعي"، للأستاذ أبي زهرة: ص 251، 262.
(2) "أصول التشريع"، للأستاذ علي حسب الله: ص 97؛ وانظر"ابن حنبل"، للأستاذ أبي زهرة: ص 259، 269.
(3) "الإحكام": 4/ 131.