فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 783

لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر، وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر الحديث [1] .

وقد رَدَّ بعض المالكيين بناء على هذا الأصل ما روي عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ [مَاتَ] (*) وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، لِأَنَّهَا «أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ» ، فقالت: «يُطْعَمُ عَنْهَا» . وأخرج البيهقي أَنَّهَا قَالَتْ: «لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ , وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ» [2] .

وقد استنكر المحدثون هذا الاتجاه في نقد الحديث، لأن الحجة في قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي يرويه الصحابي، لا في فتوى الصحابي الذي قد ينسى ما رواه، أو يجتهد فيه فيؤوله، أو تكون فتواه قبل أن يبلغه الحديث، [فإن] هذه الوجوه كلها محتملة فيما روى عنهم، لا يحل لأحد ترك كلامه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لفتيا جاءت عن صاحب مخالفة لما صح عنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - [3] .

ولكن أبا داود كان يميل إلى اتجاه الأحناف والمالكية في هذا الموضوع، فَـ «كَانَ يَرَى أَنَّ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ يُضَعِّفُ الحَدِيثَ» .: فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ عَطَاءٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» .

ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلًا» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا يُضَعِّفُ ذَلِكَ الحَدِيثَ» [4] .

وقد رأى بعض الأصوليين أن عمل الصحابي بخلاف ما روى لا يسقط

(1) انظر"الإحكام"للآمدي: 2/ 164، 166.

(2) انظر"الإحكام"، لابن حزم: 2/ 18، 19؛ وأصول التشريع للأستاذ علي حسب الله ص 54.

(3) انظر"الإحكام"، لابن حزم: 2/ 12 - 21؛ و"النبذ"له: ص 36، 37؛ و"المحلى"له: 9/ 503، 5/ 39.

(4) "سنن أبي داود"بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: 1/ 245.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي] :

(*) في الكتاب المطبوع (مَنْ بَاتَ) والصواب ما أثبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت