ذلك إلى أن الآيات التي سبقت قد جاءت بعد ان ذكرت قبلها آيات تؤكد وتعدد بعضا مما خلق الله تعالى اما هذه الآيات فقد سبقت بآيات تشير إلى الحياة الآخرة فكان الأنسب ان تختم بفعل الإيمان بتلك الحياة التي كان المشركون ينكرونها.
ان ما يجمع هذا النمط من الآيات وهذه الصيغ التي تتكرر مع اختلاف يوجبه السياق والغرض هو كونها -أي هذه الصيغ- قد جاءت في موقع الفاصلة القرآنية فكانت فواصل دقيقة تزيد في دقة التعبير القرآني بحيث لو طرحت من ذيل هذه الآيات لاختل المعنى ولو ابدلت لحصل الاختلال ذاته.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [1] .
وقد ختمت هذه الآية بالفعل المضارع (يعقلون) (ففي هذه اللفتات التي يوجه إليها القرآن ما يثير العقول أو ينبه الافهام لذلك ختمت الآية بالفاصلة(ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون) [2] .
وفي السياق ذاته يرد قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [3] .
ومن بين ما يمكن الإشارة إليه في الآيات التي تختم بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ان الباري عز وجل يذكر آية من آيات خلقه البديع على وجه التفصيل ولابد من أن تسبق هذه الآية بآيات قبلها دالة على القدرة العظيمة التي ينفرد بها الحق سبحانه.
ولو حذف الفعل (يعقلون) ووضع بدلا عنه (يؤمنون) أو (يسمعون) او (يدركون) او حتى (يتفكرون) لفقدت هذه الآيات جانبًا كبيرًا من قوتها التعبيرية.
(1) الرعد: (4) .
(2) الفاصلة القرآنية، د. عبد الفتاح لاشين: 85.
(3) الروم: (24) .