واضح بين الجواب والسؤال في هذه الآيات جميعا. وسواء استفهم بالفعل أو بالاسم وتم تعيين الفاعل فأن هذه الآيات المباركة لا تخرج عن دائرة الحجاج مع المشركين واليهود، وكانما وظيفة (من) الغالبة عليها هي استخدامها في المحاججة والجدال بين النبي الأكرم (ص) والمشركين ونجد هنا أن الجواب يبدأ دائما بالاسم، ولم نجد في هذا الأسلوب جوابا قد بدأ بالفعل، وهذا الأسلوب غايته إثبات الوحدانية لله تعالى وتنزيهه عن ان يشارك في هذه الصفة وليس أدل على ذلك من تلاحق الاستفهام بـ (من) في قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ* قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ* قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [1] .
ونظل في دائرة الجدال هذه فنجد تغيرا في طرفي الجدال وينعكس الأمر هنا فيصبح فرعون هو الذي يستفهم بـ (من) كما في قوله تعالى: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى* قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [2] فبعد أن كان هذا الاستفهام يأتي من الله تعالى او نبيه الكريم نجد أن ملحدا مثل فرعون يطرحه على نبي الله موسى عليه السلام فيجيبه وقد (استدل على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات) [3] . فهذا فيه إنكار للواقع مع التعنت ولذلك جاء الجواب متضمنا صفتين لله تعالى لا يمكن إنكارهما إذ إن الله تبارك وتعالى هو المعطي، وكل شيء في الوجود ملك له، ثم انه هو جل جلاله الذي يهدي، وفي تقديم الإعطاء على الهداية حكمة واضحة وتدرج في الجدال من اجل الوصول إلى الحقيقة وإذا خرجنا من دائرة الجدال إلى أسلوب آخر نجد أن (من) قد استخدمت لطلب التعيين أيضًا ولكن هذه المرة ليس تعيين الله تبارك وتعالى، كما في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [4] .
(1) المؤمنون: 084 - 9.
(2) طه: 049 - 50.
(3) التفسير الكبير، 64:22.
(4) آل عمران: (52) .