وقد يأتي الاستفهام الإنكاري محملا بجملة من المؤكدات كقوله تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [1] . فهؤلاء يشكون في الحياة بعد الموت ولذلك يكررون الاستفهام بقولهم (إذا ضللنا) و (ءانا لفي خلق جديد) ، ومجيء (ان) و (اللام) كلها مؤكدات لتظهر مدى شكهم في هذا الأمر.
وبما أن شك هؤلاء بهذا المستوى من القوة فقد جاء الجواب من الله تبارك وتعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام ليفند هذا الشك ولذلك قال (يتوفاكم ملك الموت) (فذكره لتذكيرهم بالموت وهم لا ينكرون ذلك ولكنهم ألهتهم الحياة الدنيا) [2] .
وعامةً فانَّ الإجابة بالفعل المضارع كثيرًا ما تأتي ردًا على سؤال تكثر فيه المؤكدات ويفيد المضارع فيه زمني الحال والاستقبال وكثيرا ما يكون عن أمور خارقة للعادة، ويأتي في الآيات المكية. ومن أساليب القرآن الكريم في الجواب استخدام فعل الأمر .. كما في قوله تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) [3] .
(وقوله(كونوا حجارة أو حديدًا) ليس المراد منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة) [4] . ومع ذلك فان الجواب قد خرج مخرج فعل الأمر (وقريبة ذلك مقابلة فعل(كنا) في مقالهم بقوله (كونوا) ومقابلة (عظامًا ورفاتًا) في مقالهم بقوله (حجارة أو حديدا ) ) [5] .. وفي السياق نفسه يأتي قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ* لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [6] واللافت للنظر في هذه الآية
(1) السجدة: (10 - 11) .
(2) التحرير والتنوير، 21: 220.
(3) الإسراء: (49 - 50) .
(4) التفسير الكبير، 20: 225.
(5) التحرير والتنوير، 15: 124.
(6) النمل: (69) .