(عليه السلام) ، وقد وردت آية أخرى شبيهة بهذه الآية المباركة في حق نبي الله يحيى (عليه السلام) وذلك في قوله جل وعلا: (( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) ) [1] إلا أن الفرق بينهما أن الكناية الثانية جاءت خلال سرد القرآن الكريم قصة ولادة النبي يحيى (عليه السلام) أي أنها صادرة عن الباري (عز وجل) بينما كانت الكناية الأولى على لسان النبي عيسى (عليه السلام) ونقلها القرآن الكريم في سياق ما جرى عند ولادته، وكان تعبير المسيح (عليه السلام) عن تكريم نفسه بهذه الكناية لأنه يريد تبرئة امه مريم (عليها السلام) بسبب ظن السوء الذي ظنه قومها، ولذلك فانه قدم لهذه الكناية بتعريف نفسه وتعداد صفاته.
ومن الكنايات الأخرى التي جاءت عن تكريم الأنبياء قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) ) [2] ، وجاءت الكناية في قوله (إن إبراهيم لأواه حليم) وهي واقعة في جواب سؤال ضمني خاص، ووصف إبراهيم (عليه السلام) بأنه أواه (( كناية عن الرأفة ورقة القلب والتضرع حين يوصف به من ليس به وجع ... واتباع(الأواه) بوصف (حليم) هنا وفي آيات كثيرة قريبة على الكناية وإيذان بمثار التأوه عنده )) [3] .
وبما أن الكناية واقعة في جواب سؤال ضمني خاص، فقد أكد الجواب بـ (أن) مع لام التوكيد، وقد جاء الجواب بمثابة التعليل لما قبله، وكان لتأوه إبراهيم (عليه السلام) ما يسوغه، لأنه كان ناتجا عن حسرته لعدم إيمان أبيه، اما الانتقال من اللازم إلى الملزوم من خلال كون الموصوف (أواها) أي يكثر من التأوه، ومن المعلوم أن التأوه يصدر عن ألم معين يمر به الإنسان، إلا أن الألم هنا ألم نفسي، وكثرته تدل على رقة قلب هذا النبي الكريم، وهذه الكناية من الكنايات القريبة لقلة الوسائط بين اللازم والملزوم.
(1) مريم: (15) .
(2) التوبة: (114) ، وينظر: سورة هود، الآية (75) .
(3) التحرير والتنوير، 11: 46.