وأسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق والسداد.
أبو عبد الرحمن الشنقيطي
[وهذا نص مقال الكاتب حسام بدر] [1]
(1) نص المقال (أسئلة الزمن السلفي) للكاتب: حسام تمام
أنا من الذين يذهبون أن مؤشر العالم الإسلامي دخل في الزمن السلفي، وأن السلفية ستكون- إن لم تعد بالفعل- سيدة الزمن القادم، لقد صارت السلفية الدينامية الأقوى والأكثر اشتغالا في عالمنا الإسلامي، وقدرة على التأثير فيه، وهي تتمدد في كل فراغ تنسحب منه الديناميات الأخرى.
قراءة سريعة تقول إن المشروعات الإصلاحية المختلفة في عالمنا الإسلامي متعثرة بل ومتراجعة، وإن كل تعثر يمد السلفية بأسباب من القوة لم تكن لها من قبل، وإن كل الطرق التي يسير فيها عالمنا الإسلامي تؤدي به إلى السلفية، التراجع لم يعد رهنا بمشروعات الإصلاح"العلمانية"إن صح التعبير فحسب؛ هذا ليس خاصا بالمشروعات العلمانية فحسب بل ينطبق أكثر على المشروعات"الإسلامية"التي تصدرت الواجهة حينا من الدهر.
إن قراءة مدققة لمشروع الإخوان المسلمين الذي ظل العنوان الأبرز على المشروع الإسلامي طوال ثلاثة أرباع القرن الأخير لتؤكد أن هذا المشروع قد أُنهك إلى حد الإعياء واستنزف تاريخيا وتفككت روايته الكبرى حتى لم يعد يتبقي منها -عند التحقيق- إلا عناوين وإشارات أقرب إلى نوستالجيا (الحنين) لزمن الإخوان الجميل!
يحدث هذا في الوقت الذي زادت الطاقة الأيديولوجية للسلفية حتى وصلت إلى أقصاها، فبلغت القمة في القدرة على اجتذاب الجماهير والتأثير فيها، وتغيير أفكارها وتصوراتها وسلوكياتها، إضافة إلى حشدها وتعبئتها، بل واخترقت المنظومة الإخوانية حتى صارت السلفية تيارا فاعلا بل وأكثر التيارات فاعلية وتأثيرا داخل الإخوان.
أتصور أن هذا يجب أن يعجل بفتح ملف السلفية وإتاحته لنقاش علمي غير حجاجي يسعى لبسط الحقائق واستجلائها، بل ويطمح إلى تطوير الحالة السلفية نفسها ضمن السعي إلى استنهاض الإصلاحية الإسلامية بالجملة.
هناك أسئلة تستحق أن تطرح للنقاش على رموز السلفية والمختصين بها .. فإذا كانت السلفية كفكرة تتنازعها تيارات وجماعات مختلفة ويمكن فهمها على أكثر من مستوى؛ كمذهب اعتقادي، أو كمذهب فقهي، أو كتيار فكري، أو حتى كحركة سياسية .. فكيف يمكن رسم خريطة للتيارات السلفية في العالم الإسلامي؛ ما القواسم المشتركة التي تجمع أبناءه، والأفكار الرئيسية التي تنتظمه، والقواعد التي يحتكم إليها في التعرف عليه؟
ثم ما أهم الكتابات التي تمثل إطارا مرجعيا يتكون عبره السلفيون، ويضع لهم لبنات البناء الفكري والعقدي؟ ومن أهم المراجع المعتمدة تاريخيين أو معاصرين لهذا التيار؟ وكيف يتكون المرجع لدى السلفية؟ وكيف تتعامل السلفية مع فكرة المرجع أصلا؟
وكيف نفسر حالة المد السلفي التي تجتاح العالم وخاصة العالم العربي بل وتخترق الجماعات والتنظيمات الإسلامية الأخرى، كحالة الإخوان؛ ولماذا تتسارع دينامية السلفية حتى توشك أن تكون اللحظة القادمة هي لحظة السلفية كما أسلفنا؟
كيف نفسر تمدد الخطاب السلفي في شرائح اجتماعية ظلت بعيدة تقليديا عن تأثيره؟ وكيف صار الخطاب السلفي الأكثر قدرة على اجتذاب الجماهير .. وما تأثير الحضور السلفي في الفضائيات (سلسلة قنوات المجد والناس .. وغيرها) ، وفي مواقع الإنترنت (السلفية هي الأكثر حضورا على الشبكة العنكبوتية) في ذلك، بل وما تأثير هذه الوسائل الحديثة على الخطاب السلفي نفسه؟ وما إذا كان من الممكن أن نراهن على تطويره عبر هذه الوسائل والتقنيات؟
في أي مساحات يحضر الخطاب السلفي في وسائل الإعلام وفي أيها يغيب؟ ولماذا نجد تكثيفا في المساحات التاريخية ويغيب في المساحات الفكرية والسياسية؟ وسيجرنا هذا بالضرورة إلى تساؤلات طرحت وما زالت من زمن ما عن موقف بل مواقف السلفية من قضايا الجدل مثل المرأة والأقليات والفنون باختلافها من غناء وموسيقي وتمثيل وخلافه.
وإذا كنا نلاحظ أن الانتشار السلفي يتم -في الغالب الأعم- بسهولة ومن دون تنظيم أو مؤسسة، وأن الجسم الأكبر للسلفية غير مؤطر تنظيميا وليس له من يمثله أو يتحدث باسمه في الفضاء العام، فهل لهذا الوضع صلة ببنية السلفية نفسها التي تجعلها أقرب لتيار يبقي دائما من دون تنظيم ورأس، أم أنه وضع مرشح للتغير والتطور باتجاه تأطيره في كيانات منظمة ولو في صيغ رسمية؟
كيف يمكن وصف علاقة التيارات السلفية في مختلف أنحاء العالم بالوهابية التي ينظر إليها كمنبع لكل التيارات السلفية؟ وما وجه اللقاء ووجه الافتراق؟ وهل صحيح أن العلاقة بين هذه التيارات وبين الوهابية علاقة عضوية لا يمكن أن تنقطع فكريا بل ولا ماديا في كثير من الأحيان؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن تفسير حالة التشظي السلفي والتعدد اللانهائي للسلفية وتياراتها والتي تصل أحيانا إلى حد التكفير والتقاتل على الرغم من أنها -ومن المفترض- تنطلق من أساس واحد؟
ثم كيف يمكن تفسير هذا الزخم والحضور المتعاظم للحركة الجهادية السلفية التي تجتاح العالم؛ هل هي إعلان بقيادة السلفية للمد الديني، أم دليل على عدم قدرتها على التعايش داخل بلدنها وتحول علاقاتها مع المجتمع والعالم إلى صراع؟
وإذا سلمنا بأن التيار الغالب والأكثر انتشارا بين السلفية هو تيار ما يعرف بالسلفية العلمية الذي يركز على قضية تصحيح الاعتقاد ومسائل العبادات وإحياء التراث، دون أي مقاربة للسياسة جدلا أو اشتغالا .. لكن يبدو أن الانتقال سهل وميسور من السلفية العلمية إلى الجهادية .. فكيف يمكن أن نفسر هذا التحول لدى بعض الشباب السلفي؟ هل يتعلق بعدم وضوح مقولات السلفية العلمية بما يسمح بتجاوزها؟ أم أن الفراغ السياسي -رؤية وممارسة- كان المسئول عن هذا التحول نحو إطار سياسي يتناسب مع مقولة هذا التيار؟ أم أن السياق المحلي والدولي وتصاعد الهجمة على الإسلام مسئول عن هذا كله؟ وهل لدى رموز وشيوخ ما يعرف بالسلفية العلمية تصور للتعاطي مع هذا الأمر الذي جعل من كل سلفي مشروعا لجهادي يمكن أن ينفجر في أي لحظة ولأسباب شتي؟!
ما ملامح رؤية التيار السلفي للعالم في هذه اللحظة؟ كيف تكونت؟ وما مصادرها؟ هل هي المصادر التراثية فقط أم أن هناك مصادر معاصرة تأخذ بعين الاعتبار عالم اليوم بتعقيداته وتركيباته؟ كيف يرى السلفيون الغرب مثلا؟ هل بإمكانهم-على تنوعهم وتعدديتهم- أن يميزوا بين تنوعات العالم وتعدديته في الرؤية والتعامل أم يرونه ككيان موحد؟
كيف يتعاطى السلفيون مع المفاهيم الحديثة التي تحكم علاقات العالم؛ التعددية الدينية والثقافية، وقبول الآخر الديني، والتعايش، والتسامح ... إلخ؟ هل يتابعون الفلسفات الحديثة؟ وما موقفهم منها؟ وهل لديهم رؤية نقدية لها وللثقافة الغربية عموما؟ وهل هو موقف مبدئي أم جدلي قائم على الاطلاع والنقاش؟
مثلا؛ إذا كانت الأدبيات التراثية تمثل -كما هو الأرجح والأوضح- المصدر الرئيسي في بناء رؤية السلفيين للعالم، وهي أدبيات تنتمي في مجملها إلى لحظة تاريخية مضت كان العالم ينقسم فيها إلى دار كفر ودار إسلام، وتتحدد فيها العلاقات بين الدول على أساس الحرب (دار الكفر) والسلام (دار الإسلام) ، ولم يكن العالم قد عرف الدولة القومية الوطنية التي تقوم على مبدأ المواطنة التي يشترك فيها المسلم مع غيره .. ألا يمكن النظر إلى أن إعادة إنتاج التيار السلفي للمقولات التراثية في هذا الموضوع هو المسئول عن سوء فهم العالم وعن حالة التوتر والصدام معه؟ وهل لدى السلفيين وعي بذلك؟ وهل جرت مراجعات لهذا التراث؟ وهل ثمة احتمال بهذه المراجعة؟
يمكن أيضا أن نتوقف عند السلفية والآخر الإسلامي؛ ما موقف السلفيين إزاء غيرهم من الفاعلين الآخرين في المشهد الإسلامي؟ هل يؤمنون بإمكان تعددية مناهج الدعوة وتياراتها التماسا لوحدة العاملين في الصف الإسلامي، أم أن"التوحيد"مقدم على الوحدة كما يبرر البعض توجههم لنقد التيارات الإسلامية المخالفة لهم بدعوى خروجها على ما يناقض مفهوم التوحيد؟! ما موقفهم -مثلا- من المؤسسات الدينية كالأزهر الشريف في مصر؟ هل ما زالوا ينظرون إليه كمنافس لهم أم كشريك في الدعوة؟ وهل يؤثر الاختلاف المذهبي على هذا الموقف؟ وهل ما زال -مثلا- في أولياتهم نقد المذهب الأشعري مذهب الأزهر الاعتقادي وغالبية المؤسسات الدينية في العالم السني (كما في مصر وتركيا والمغرب؟) وإلى أي مدى يؤثر ذلك على توتير السلفية للمجال الديني الذي كان شبه منسجم في بلاد كالمغرب ومصر؟
وما موقفهم من الجماعات الأخرى العاملة في حقل الدعوة الإسلامية سواء السياسية كالإخوان، أو الدعوية كالتبليغ والدعوة، أو الجهادية كالقاعدة؟ أين يلتقون وأين يختلفون؟ وهل بالإمكان التعاون في المشترك بينهم وبين هذه الجماعات، أم أن مرج بحورها لا يلتقي؟!
ولابد أن نتوقف أيضا عند موقف السلفية من الأنظمة الحاكمة في بلدانها وفي مجمل بلدان العالم الإسلامي؟ وما منهجيتهم في التعاطي معها؟ يبدو أحيانا أمام مقاربتين سلفيتين في هذا الموضوع واحدة تتحالف مع الأنظمة وأخرى ترفضها بل وربما تكفرها، وكلتاهما سلفية! فكيف نفسر هذه المفارقة؟ وكيف ينظر السلفيون لجدل الإصلاح في بلدانهم، وأين موقعهم منه؟ وما تصورهم عنه؟ هل هو إصلاح ديني أم يتجاوز ذلك؟ وما مدخلهم إليه هل سيظل مدخل الدعوة أم سيطورون ذلك إلى مداخل سياسة؟
سنتوقف أيضا عند السلفية كحركة اجتماعية تتجاوز الفكرة النقية؛ لنتساءل: هل تخضع السلفية لسنة التطور والتبدل أم أنها متجاوزة للزمان والمكان كما قد توحي معظم الكتابات التي تقارب مسألة السلفية؟ ألا تتأثر السلفية الواحدة بزمانها ومكانها وتطبع بطابع التعدد والتنوع؟ ألا تتمايز السلفية الوهابية في الخليج -مثلا- عن نظيرتها في المغرب حيث تيار السلفية الوطنية؟ وهل يمكن النظر إلى السلفية في لبنان التي تتوزع ما بين الانضواء تحت تنظيم القاعدة إلى التحالف مع تيار المستقبل باعتبارها خارج السياسة وخارج إمكان التأثر بها؟
بل ويمكن حتى أن نتساءل دون التورط في المنظور الاستشراقي: هل هناك سمات خاصة للسلفي تميزه عن غيره من الإسلاميين من الناحية النفسية والسلوكية؟ أم أنها منهجية فكرية لا تلزم بالضرورة هيئة خاصة بها؟
إن اللحظة التي نعيشها توجب علينا أن نفتح ملف السلفية بعيدا عن رطانة الأيديولوجيا ولغتها الخشبية، وألا نتعاطى معها على وقع معارك الشارع السياسي والثقافي العربي، فاللحظة الآنية لحظة سلفية بامتياز، والزمن القادم -وإلى وقت ربما يطول- هو زمن السلفية!