الحرب .. وهذا من شأنه ألا يقيم نظر المسلم على الجهاد في سبيل الله، وجعله خالصا له، إذ كان ينظر إلى ما يقع ليده من مغانم، وهذا بدوره يدعو المسلم إلى الحرص على حياته، والنجاة من القتل، حتى يأخذ حظه من تلك المغانم، وهذا من شأنه أن يضعف من بلاء المسلم في القتال، ومن نكايته في العدوّ .. وهذا، وهذا، وكثير غيره، مما يخفّ به ميزان المجاهد في سبيل الله، وتذهيب به ريح المجاهدين، إذا نظر المجاهد في ميدان القتال إلى نفسه، وطلب لها السلامة، أو الغنيمة، ولم يكن مطلبه الأول هو الانتصار على العدوّ، أو الاستشهاد في ميدان القتال .. [1]
فالإثخان أولا لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته وبعد ذلك يكون الأسر. والحكمة ظاهرة، لأن إزالة القوة المعتدية المعادية للإسلام هي الهدف الأول من القتال. وبخاصة حين كانت القوة العددية للأمة المسلمة قليلة محدودة. وكانت الكثرة للمشركين. وكان قتل محارب يساوي شيئا كبيرا في ميزان القوى حينذاك. والحكم ما يزال ساريا في عمومه في كل زمان بالصورة التي تكفل تحطيم قوة العدو، وتعجيزه عن الهجوم والدفاع. [2]
فإذا وقع العدو في أيدي المسلمين أسيرًا، فإن الأمر حينئذ يختلف عما كان عليه الحال في وقت المعركة:
فقد يكون الأسير يستحق الرفق به والمن عليه، وإطلاق سراحه، وتكون المصلحة في ذلك، والإمام الحريص على المصلحة، المجتهد في ذلك بدون شهوة واتباع هوى أولى بأن يقدر ذلك وينفذه
وقال ابن قدامة بعد ذكر الخيارات أمام المسلمين:"وَلِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَقَاؤُهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُرْجَى إسْلَامُهُ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْ مَعُونَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَخْلِيصِ أَسْرَاهُمْ، وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي"
(1) - التفسير القرآني للقرآن (13/ 309)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4086)