قَالَ الإِمامُ: فِيهِ من الْعلم أَن قوْل الرجل لصَاحبه: يَا سَيِّدي غيرُ مَحْظُور إِذا كَانَ صَاحبه خيِّرًا فَاضلا، وفِيهِ أَن قيام الرجل بيْن يَدي الرئيس الْفَاضِل، والوالي الْعَادِل، وَقيام المتعلم للْعَالم مستحبٌ غيْر مَكْرُوه، وكذلِك يجوز إِقَامَة الإِمام والوالي الرِّجَال على رَأسه فِي مَوضِع الْحَرْب، ومقام الْخَوْف، فقدْ كَانَ الْمُغِيرة بْن شُعْبة قَائِما على رَأس النّبِي - صلى الله عليه وسلم - يوْم الحُديبية، وَمَعَهُ السَّيْف، وَعَلِيهِ المِغفر، وَمَا رُوِي عنِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،أنّهُ قَالَ: «منْ سرّهُ أنْ يتمثّل لهُ الرِّجالُ قِيامًا، فلْيتبوّأْ مقْعدهُ مِن النّارِ» ،فَمَعْنَاه أَن يَأْمُرهُم بِذلِك على مَذْهَب الكِبر والنخوة.
وفِيهِ أَن من نزل مِن أهل الْكفْر على حكم رجل مُسْلِم، نفذ حُكمُه أَن وَافق الْحق.
وقوْله: «لقدْ حكمت فيهم بِحكم الملِك» ،يُريد بِحكم الله عزّ وجلّ، وروى بعْضهم بِحكم الْملِك بِفَتْح اللَّام، أَي: الْملك الّذِي نزل بِالْوَحْي فِي أَمرهم، وَالْأول أصح بِدَلِيل أنّهُ يُروى أنّهُ عليْهِ السّلام قَالَ: «قضيْت بِحُكْمِ الله» . [1]
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِكْرَامُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَلَقِّيهِمْ وَالْقِيَامُ لَهُمْ إِذَا أَقْبَلُوا وَاحْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَاكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَيَتَمَثَّلُونَ قِيَامًا طُولَ جُلُوسِهِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقِيَامُ لِلتَّعْظِيمِ، بَلْ كَانَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى نُزُولِهِ لِكَوْنِهِ وَجِعًا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ قِيَامَ التَّوْقِيرِ لَقَالَ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ قُومُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى سَيِّدِكُمْ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ - صلى الله عليه وسلم - لِكَرَاهِيَتِهِ لِلْقِيَامِ. (فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّ هَؤُلَاءِ) :أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ (نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ) .قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا فَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ ; لِأَنَّ الْأَوْسَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْعَفْوَ عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ) فَرَضُوا بِهِ. (قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ) :بِكَسْرِ التَّاءِ ; أَيْ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الْقِتَالُ وَلَوْ بِالرَّأْيِ. (وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ) ; أَيِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (قَالَ) :أَيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ) .بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَفِي"
(1) - شرح السنة للبغوي (11/ 92)