أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ»):أَيْ: وَلَا عَلَى حُكْمِ رَسُولِهِ لِمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِهِ: («وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟") :زَادَ ابْنُ الْهُمَامِ وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدُ مَا شِئْتُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يَنْقُضُهَا مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَّهَا وَيَنْتَهِكُ حُرْمَتَهَا بَعْضُ الْأَعْرَابِ وَسَوَادُ الْجَيْشِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا بَلِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحُكْمِ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ. أَنَّكَ لَا تَأْمَنُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى وَحْيٍ بِخِلَافٍ مَا حَكَمْتَ، كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ تَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:"لَقَدْ حَكَمْتَ لَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَيَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا اهـ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ السُّنَّةِ" [1] "
وقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الأمرين، فعلل نهيه عن إنزالهم على ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ) .
ومعنى إخفار ذمة الله وذمة رسوله نقض عهدهما، ومعنى ذلك أن المجاهدين قد يضطرون لنقض العهد لأي سبب من الأسباب، كأن يروا أن الكفار يعدون العدة لشن هجوم عليهم - مثلًا - وفي هذه الحال لهم الحق أن يبادروهم بالضربة التي تقضي على قوتهم، إما بدون إنذار إذا علموا - أي المسلمون - أن الكفار مصرون على قتالهم، وإما بإنذارهم ونبذ العهد إليهم، إذا ظهرت لهم علامات تدل على عزم الكفار على قتالهم، كما قال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [الأنفال:56 - 58] .
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2529) وشرح النووي على مسلم (12/ 39)