إنّ سيدنا الصديق الذي نتحدث عنه, والذي هو موضوع هذا الدرس, والذي عاش في الجاهلية, ولم يعبد صنمًا, ولم يشرب خمرًا, ما الذي حمله على ذلك؟ عقله الراجح، وكان صديقًا للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني نشأا معًا، وأَلِفا بعضهما، قال ذات يوم بعد أن تلقى محمد رسالة ربه وآمن معه أبو بكر: كان عليه الصلاة والسلام جالسًا بين أصحابه يستعيد ذكرى أيام شبابه، فقال عليه الصلاة والسلام: لست أنسى قس بن ساعدة ممتطيًا جمل أورق في سوق عكاظ، وهو يتحدث حديثًا ما أحسبني أحفظه! فقال سيدنا أبو بكر: إني أحفظه يا رسول الله، كنت حاضرًا هذا اليوم في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قس يقول:
"أيها الناس اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا، من عاش مات, ومن مات فات, وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرًا, وإن في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج, يقسم قس قسمًا حقًا, إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه, مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون, أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا"، ثم أنشد فقال:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردًا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
هذا كلام قس بن ساعدة الإيادي في الجاهلية دون أن يتلقى رسالة ولا دعوة، وقبل أن تأتي النبوة، وقبل أن يتنزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، هذا من إنجاز العقل البشري، العقل يا أيها الأخوة يتوافق مع النقل، وما جاء به النقل يتوافق مع العقل الصريح.