الصفحة 144 من 371

سير الصحابة والخلفاء الراشدين-"6>6": (عمر بن الخطاب, تألق فهمه وحدة ذهنه وصدق فراسته ,"28>2>1994") - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علمًا, وأرنا الحق حقًا, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلًا, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

لست بالخب ولا الخب يخدعني:

أيها الأخوة الكرام, ولا زلنا مع سيدنا عمر بن الخطاب, ومع الدرس السادس من دروس سيرته، وحديث اليوم عن جانب من جوانب شخصيته، ألا وهو تألق فهمه، وحدّة ذهنه، وصدق فراسته, والمؤمن بشكل أو بآخر يمثِّل هذا الدين، ولا يستطيع المؤمن نشرَ هذا الحق إلا إذا كان على جانب من الإدراك العميق، والفهم الحاد، لقوله تعالى:

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}

(سورة الأنعام الآية: 83)

لكلِّ مؤمنٍ نصيبٌ من هذه الآية، المؤمن لديه حجة، عنده منطق، معه دليل، معه برهان، إدراكه دقيق، فهمه عميق، تصوُّره صحيح، رؤيته ثاقبة، قراره حكيم، هذا الجانب العقلي للمؤمن، لأن المؤمن كما تعلمون شخصيةٌ متميِّزة، فيه جانب نفسي أخلاقي، وفيه جانب سلوكي بناء.

فسيدنا عمر مثَّل شخصيَّته، أو جانبه الإدراكي بكلمةٍ رائعة، فقال:"لست بالخِب، ولا الخَبُّ يخدعني"، يعني ذكاؤه ليس شيطانيًا، ولا عدوانيًا، ولا استغلاليًا، ولا انتهازيًا، هناك أذكياء يستغلون ذكاءهم لمآربهم الشخصية، ولمكاسبهم الدنيوية، ولكنه ذكاء رحماني، فهو ليس من الغباء حيث يخدعه الخِب، وليس من الخُبث حيث يخدع، لا يَخْدَع ولا يُخْدَع، هذا الموقف المثالي، فما من عبارةٍ أدق وأوضح من هذه العبارة، وينبغي على كل مؤمنْ أن يكون في هذا المستوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت