ثم تناول رضي الله عنه القيم الثابتة ليؤكد أنها المبادئ التي يتبناها، فقال:"ألا إن الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له"بمجتمع الغاب الذي ينتصر هو القوي، بمجتمع الحق الذي ينتصر هو صاحب الحق، قيم نفسه، وكلف مَن حوله بمهماتهم، ثم بين أن هذا المجتمع تسوده قيم ثابتة، تسوده نظم جاء بها عليه الصلاة والسلام،"لكن جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة طاف حول الكعبة، وكان قد قدِم إلى مكة مسلمًا، وطاف إلى جانبه بدوي من فزارة، فداس البدوي طرف إزاره، فخلع الإزار عن كتفه، فالتفت إلى هذا البدوي، وضربه ضربة هشمت أنفه، جاء البدوي إلى عمر بن الخطاب يشكو جبلة الملك، فسأله: هل صحيح ما ادّعى هذا الفزاري الجريح؟ قال بعنجهية واستعلاء و كبر: لست ممن ينكر شيئًا، أنا أدبت الفتى، وأدركت حقي بيدي، قال له: أرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، فما زال ظفرك عالق بدمائه، أو ليهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذلك يا أمير, هو سوقة من عامة الناس، وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضًا؟ قال: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحًا جديدًا، وتساوى الناس أحرارًا لدينا وعبيدًا، قال جبلة: كان وهمًا ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال له: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف يداوَى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى".
إن خطبة الخلافة لتُكتَب فيها مجلدات، كلمات قليلة يمكن إلقاؤها في خمس دقائق، لكنه أعطى كل شيء حقه،"وليت عليكم ولست بخيركم"،"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"
(ورد في الأثر)
هذه الخطوط التي يتمايز بها الناس في المجتمعات غير المؤمنة، حظ المال، وحظ العلم العصري، وحظ القوة، والمنصب، والجاه، والوسامة والذكاء، هذه لا شأن لها إطلاقًا في مجتمع المسلمين، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وانتهى الأمر.