الصفحة 51 من 371

وكان سيدنا عمر في أعلى درجات الحكمة، فإذا رأى من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تململًا أو اعتراضًا أو انتقادًا أو رأيًا لا يراه الصديق, ماذا كان يفعل؟ كان يتبنى هذا الرأي, ويعرضه على الصديق, فإذا وقف الصديق موقفًا صلبًا تعلَّق به مِن دون أن يجعل مواجهة بين الصديق وبين أصحابه.

فيروى أن النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته أمر أن يجيش جيش لحرب الروم، وأمر أن يكون على رأسه شاب يسمى أسامة بن زيد لا تزيد سنه عن سبعة عشر عامًا، لكن بعد أن توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالصحابة رأوا أنه ليس من العقل أن ينطلق هذا الجيش لحرب الروم، بينما الجزيرة قد ارتد المسلمون فيها، فهل من المعقول أن يُوجِّه المسلمون جيشًا إلى أقاصي البلاد، وعندهم فتنة داخلية، والعاصمة مكشوفة، والناس قد ارتدوا، وأرادوا أن يكيدوا للمسلمين؟ فصار هناك آراء متفاوتة.

يقول سيدنا عمر كما قلت قبل قليل: لعله رأى ذلك، أو لعله أراد أن يعرض على الصديق رأي أصحابه،"لو أنك جمدت هذا الجيش، لِمَ ترسل هذا الجيش؟ لو ادّخرته لحرب المرتدين"، فلما أصر الصديق على إرسال الجيش، قالوا: إنّ هذا القائد صغير السن, ولا يعقل أن يكون كفئًا لهذه المعركة، فيقال: إن سيدنا الصديق قبض لحية عمر، وأمسكها بيده، وهزها هزًا شديدًا، حتى كادت أن تنخلع بيده، وقال:"يا عمر ثكلتك أمك، أجبار في الجاهلية، خوّار في الإسلام؟ أتمنعني أن أجيش جيشًا جيشه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أتمنعني أن أولي على هذا الجيش أسامة بن زيد، وقد أمّره رسول الله عليه الصلاة والسلام؟"هذا هو الإيمان، نبي هذه الأمة يجيش جيشًا، وأنا لا أرسله، نبي هذه الأمة يعين قائدًا وأنا لا أقره، فمَن أنا؟.

أبو بكر أعاد للأمة مشاربها وتمسكها بعقيدتها وأصالتها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت