صلى الصديق مكان رسول الله عليه الصلاة والسلام وامتثل الأمر, وهو لا يدري أو لعله كان يدري أنه في تلك اللحظة كان يتسلم الراية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملها من بعده، لكن هذا الصحابي الجليل حينما توفى الله رسوله, و قبضه إليه, و اختار النبيُّ الرفيق الأعلى، وانتقل إلى الدار الآخرة، فوجئ أن فتنة كادت أن تقع بين أصحاب رسول الله عيه الصلاة والسلام، فيهم المهاجرون و فيهم الأنصار، المهاجرون أصحاب السبق في الإسلام، و الأنصار هم الذين آووا و نصروا، فمن أيّهم يكون خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أمن المهاجرين، أم من الأنصار؟ لذلك واجه هذا الصحابي مشكلة وفتنة ليست في صالح المسلمين، مع أن علماء السيرة يؤكدون تأكيدًا شديدًا أنّ هذا الصحابي الجليل كان أبعد الناس عن أن يتمنى أن يكون مكان رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان عازفًا عن الخلافة, والنبي عليه الصلاة والسلام أعطانا قاعدة ذهبية, هي:"طالب الولاية لا يُوَلَّى"لأنه يرغب في مغانمها، والولاية ليست مغانم بل مغارم، أعباء، كما قال سيدنا عمر: لست بأفضل من أحدكم ولكنني أثقلكم حملًا.
لكن هذا الصحابي الجليل لا يحتمل أن يرى فتنة تنشب بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يحتمل ذلك، وهذا شأن المؤمن، المؤمن يعنيه أمر المؤمنين، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
كيف عالج الصديق هذا الأمر؟
سيدنا الصديق وضع ميزانًا تطمئن نفوسهم إليه، الميزان أخذه من القرآن، ماذا قال الله عز وجل؟ قال:
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
(سورة التوبة الآية: 100)