مرة صليت بالحرم النبوي في أول عمرة أكرمني الله بها وراء إمام، أنا أظن به ظنًا حسنًا، صوته حسن، ويبدو أن له قلبًا موصولًا بالله عزَّ وجل، والله أيها الأخوة، قرأ في الركعة الأولى سورة الجن، وفي الركعة الثانية سورة المزمل، والله الذي لا إله إلا هو لو أنه بقي يصلي حتى الظهر لكنت ممتنًا له، قلت هذه الكلمة: حقًّا هذه الصلاة التي أمرنا الله بها، أنت الآن تتصل بخالق الكون، فالله عنده تجليات, عنده سكينة يلقيها على قلبك، فتشعر بالطمأنينة، تشعر بالسكينة، تشعر بقيمتك كإنسان، تشعر أن علاقتك مع الله فقط، تشعر أنّ الدنيا تافهة، صارت لك صلة حميمة بالله.
هناك رجل عالم جليل من كبار الدعاة سافر إلى بلد ليجري عملية جراحية كبيرة، فقابله صحفيٌّ وسأله: ما هذه المكانة الكبيرة التي أكرمك الله بها؟ قال له: واللهِ هذه مِن الله، فلما ألح عليه، قال له: لأنني محسوبٌ على الله، أنا لستُ محسوبًا على جهة أرضية، أنا محسوب على الله، كلمة فيها أدب، أنا لستُ أهلًا، لكن هكذا حُسِبْتُ على الله، فأنت محسوب على الله، أنت محسوب مع المصلين، محسوب مع روَّاد المساجد، محسوب مع المؤمنين، محسوب مع الذين يبتغون وجه الله، فإذا كانت لك أخطاء طفيفة، مخالفات طفيفة بالجوارح الخمس، بالسمع, بالبصر، باللسان، باليد، بالرجل، بكسب المال، بإنفاق المال، بالبيت، بالعمل، هناك مخالفات اضبطها واتصل بالله، وهذا واللهِ الذي لا إله إلا هو لسرُّ الإسلام، فالإسلام عظمته بهذا القلب الممتلئِ بالتجلي الإلهي، بهذا القلب الممتلئِ بنور الله، بسكينة الله، بهذا القلب الذي لا يخاف ولا يذل، ولا يشعر بالقهر، ولا يشعر بالندم.
الإنسان أراه أحيانًا مثل قطعة القماش البالية متهالكًا، ضعيفَ المعنويات، يائس، مقهور، خائف، قد ينافق، أيام يتذلل، وقد يبذل ماء وجهه، أحيانا من أجل عرَضٍ طفيف جدًا تجده بذل ماء وجهه، حتى هان وسقط من عين الله.