فكل إنسان يقول لك: أنت شاب عندما تكبر وتتزوج وتمل من حياتك تتوب, هذا الذي يرجّي التوبة بطول الأمل، أليس هناك مغادرة للدنيا؟ أليس هناك آلاف الحوادث, فيها شابٌ يموت، إنسان في مقتبل حياته يصاب بمرض عضال؟ أليس هناك من يغادر الدنيا من دون سابق إنذار؟ فاليوم كنا في تشييع جنازة، والله شيء لا يصدق، إنسان يسكن في بيت, يضمُّ السرير والفراش، والغرفُ الدافئة، وغرف الطعام، كل هذا تركه، وحفرتْ له حفرةٌ، ووضع فيها، وأهيلَ الترابُ عليه، هذه حقائق، ليس مِن كلام أشدّ واقعية من هذا الكلام، كلنا مصيرنا إلى هذه الحفرة، ماذا في هذه الحفرة؟ هذا الكلام:"ويرجِّي التوبة بطول الأمل".
لذلك مَن عدّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت، إذا قلت: غدًا سأفعل كذا وكذا, إذا توهمت أن غدًا تملكه، هذا التوهم هو عين الجهل.
قال:"لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجّي التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين", أخطر شيء هذا الانفصام، هذه المسافة، هذه هذه الازدواجية، وكأن هذا الإنسان معه انفصام شخصية، له شخصيتان إذا تكلم تكلم بقول الزاهدين، وإذا عمل عمل بعمل الراغبين، فهذه الشخصية الثنائية في الإنسان، هذه المسافة الكبيرة بين الفكر وبين السلوك، هذه سمة عصور تخلُّف المسلمين.
لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب:
قال:"يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إنْ أعطي منها لم يشبع، وإن مُنِع منها لم يقنع", مهما أعطي لا يشبع، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذه الحقيقة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:"مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا".
(أخرجه الدارمي في سننه عن ابن عباس)
فإذا كان هناك نهم فاجعله في طلب العلم، اجعله في طلب الآخرة، إذا كان هناك نهم تسابق مع أهل الإيمان، التنافس مطلوب، الله عزَّ وجل يقول: