الصفحة 353 من 371

أقول لكم: قد تجد إنسانًا إذا خطط لمستقبله، أو اختار عمله، أو تحرك حركةً في الدنيا يدخل في حساباته الأشياء الأساسية، مثلًا لو أنه أراد يؤسِّس مشروعًا، يفكر أوّلًا فيما لو أن ثمَّة مشروعًا آخر منافسًا، ثم يفكر لو أن هذه المادة الأولية مُنِع استرادها، ويفكر لو أن القوة الشرائية انخفضتْ، فلم يعُد المواطنُ يتمكن من شراء هذه السلعة، فالإنسان إذا أسس مشروعًا يُدخِل الحساباتِ المتوقعةَ بأكملها.

الشيء العجيب أن الناسَ حينما يتحرَّكون، فالغافل منهم لا يدخل حساب الآخرة في تخطيطه إطلاقًا، لا الموت، ولا الوقفةٌ بين يدي الله عزَّ وجل، ولا أيّ سؤالٍ حولَ هذا المال، كيف أخذته؟ ولمَ أنفقته بهذه الطريقة؟ هذه المرأة لمَ طلقتها؟ هذه السلعة لمَ بعتها، ولم تذكر عيبها؟ فهذا النموذج الذي يدخل في حساباته كل شيء إلا الآخرة, قال فيه الإمام على كرم الله وجهه:"لا تكن مِمَّن يرجو الآخرة بغير عمل".

لكن هذا الإنسان بالذات الذي لم يدخل في حساباته موضوع الآخرة إطلاقًا، لو كان في عقد قران مثلًا، لو كان في مجلس علم، لو كان في مناسبة دينية، والخطيب أو الداعي دعا اللهم ارزقنا الجنة، يقول آمين، آمين على ماذا؟ هذا الذي يقول آمين بصوتٍ مرتفع, وليس في سلوكه ما ينبئُ أنَّه يسعى للآخرة، هذا الإنسان، وهذا النموذج، وهذا المسلم هو الذي سبَّب ضياع المسلمين.

فبينما أنْ يكون الإسلام منهجًا كاملًا، ينتظم كل حياتنا، ينتظم بيوتنا، أعمالنا، علاقاتنا، أفراحنا، قبض أموالنا وإنفاقها، وكل نشاطاتنا، وبين أن يكون الإسلام قد تقلص، وتقلص، وتقلص، وانكمش، فصار صومًا وصلاةً وحجًا وزكاةً، هو في واد والحياة في وادٍ آخر، هذا الذي يعنيه الإمام علي كرم الله وجهه:"لا تكن ممَّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجِّي التوبة بطول الأمل"

احذر مغبة التسويف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت