كان الإنسان يقدم في الإذاعة برامج أدبية وثقافية، أساس هذه البرامج أن يطلب مقابلة مع شخصية مرموقة أدبية أو علمية، فكان مقدِّم هذه البرامج يعكف أشهرًا طويلةً على قراءة إنتاج هذه الأديب، وعلى معرفة المآخذ والمثالب, وكان يقرأ كلَّ ما قيل عنه، ورأي النقَّاد فيه حتى يصبح قريبًا من مستوى الناقد، يلتقي به ويسأله أسئلةً كثيرة، فإذا بهذا الإنسان الكبير يصغر في هذا اللقاء، فلما عوتب فيما يفعله, قال: إنني أحب أن أعيد بعض الناس إلى حجمهم الحقيقي.
أحيانًا بعض الناس يملك قدرة على أن يبدو بحجمٍ أكبر من حجمه الحقيقي، فالإنسان إذا أراد أن يتقدَّم يجب أن يبني تقدمه على معرفة حجمه الحقيقي، والإنسان كلما قرأ سيَر كبارِ العلماء المخلصين العاملين شعر بضآلته، وشعوره بضآلته سبب رقيِّه، يقول سيدنا الشافعي:"كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي".
الإنسان كلما اطلع على أبطال في هذا الدين، وكلما قرأ سير العلماء المخلصين العاملين عرف حجمه، أما إذا عزل نفسه عن كل من حوله يصيبه داء اسمه: تضخُّم الشخصية، فلذلك كلام الإمام علي رائع جدًا:"من استقبل وجوه الآراء عرف مكان الخطأ", والنبي عليه الصلاة والسلام له موقف لا أشبع من ترداده وتكراره،"لما الحباب بن المنذر سأله بأدبٍ جم، قال: يا رسول الله، أهذا الموقع الذي نزلنا به موقعٌ جاءك بالوحي، أم بالرأي والمشورة؟ قال له: بالرأي والمشورة، قال له: إذًا ليس بموقع، فسأله النبي عن موقعٍ مناسبٍ فدلَّه عليه، فأمر النبي أن ينتقل الجنود إلى هذا الموقع".
(ورد في الأثر)
وقف هذا الموقف الكامل ليكون قدوةً لكل من يأتي بعده من العلماء والأمراء.