الصفحة 32 من 371

دققوا في هذه القصة, كان أبو جهل ذاهبًا لبعض شأنه حين مر بالكعبة, فأبصر النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا وحده في المسجد الحرام، صامتًا مفكرًا، وأراد أبو جهل أن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام ببعض سخرياته, فاقترب منه وسأله, أولم يأتك الليلة شيء جديد؟ فرفع النبي عليه الصلاة والسلام رأسه, وأجاب في جد: نَعَم، أُسرِي بي الليلة إلى بيت المقدس في الشام، فقال أبو جهل مستنكرًا: وأصبحتَ بين أظهرنا، طبعًا كل عصر له معطياته، الآن مثلًا سهل جدًا أن تركب الطائرة من جدة الساعة التاسعة، وتكون الساعة العاشرة في الشام، لكن تصوروا العصر الذي عاش فيه النبي بين مكة وبيت المقدس، أعتقد أنّ المسافة كانت شهرًا أو شهرين مِن ركوب الناقة، وهنا صاح أبو جهل في جنون: يا بني كعب هلموا، وأقبلت قريش ينادي بعضها بعضًا، فماذا حل بالنبي؟ وهو مأمور أن يبلغ الناس أنه أسري به، من دون إسراء لم ينته منهم، وهو مكذَّب، فكيف بالإسراء والمعراج؟ ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أحدًا من أصحابه بنبأ الإسراء بعدُ، فتجمع الناس عند الكعبة، ومضى أبو جهل يحدثهم في حبور بما سمع، وقد ظنها الفرصة المواتية التي عندها سينفض الناس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنّ أمْر النبي انتهى إلى الأبد، لكن الذي انتهى وصار في مزبلة التاريخ أبو جهل وأبو لهبٍ وأمثالهما، قال تعالى:

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}

(سورة المسد الآية: 1)

هؤلاء الذين عارضوا النبي أين هم الآن؟ وتقدم واحد من المسلمين وسأل النبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت