الإنسان بين الندم الساحق, وبين الخفة الرعناء التي تأتي بعد العطاء، خفته بعد العطاء دليل جهله، ويأسه دليل جهله، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في خطبةٍ رائعةٍ جدًا ألقيتُها على مسامعكم آلاف المرات، يقول:"إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضًا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي".
(ورد في الأثر)
هذه هي الحقيقة، فمَن عرَفها لم يفرح برخاء، لأنها مؤقتة، ولم يحزن لشقاء، لأنها موقتة، لذلك يقول هذا الإمام الجليل:"الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن الكريم، قال: لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم".
يقول هذا الإمام الجليل:"الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب، فمن طلب الدنيا، طلبه الموت حتى يخرجه عنها", حدثني أخ يسكن بشارع برنية، في بناية مِن اثني عشر طابقًا، قال: جاء إنسان واشترى شقتين، البيتين مكسوَيْن على التمام، قال لي: والله كسَّر البلاط كلّه، وكسّر السراميك، وغيَّر كل شيء في هذين البيتين، وأحدَثَ ترتيباتٍ أخرى، البلاط إيطالي، الألمنيوم مِنَ البرونز، أي أنه عمل ترتيبات جديدة في البيت، قال لي: طيلةَ سنتين بالتمام والكمال، وهو يكسو هذين البيتين، رغم أنهما مكسوان كسوةً مَن الطراز الأول، يقسم بالله أن هذا الإنسان بعد إن انتهى من كساءِ البيتين بأسبوع انتهى أجله، فهذه هي الدنيا, قال:"الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب، فمن طلب الدنيا طلبه الموت".