ويقول هذا الإمام الجليل:"الإيمان أنْ تُؤثِر الصدق حيث يضرُّك على الكذب حيث ينفعك، وألا يكون في حديثك فضلٌ على عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك", طبعًا أحيانًا الإنسان تنسجم مصالحه مع الشرع، لا ندري أهذا هو الإيمان، أم هذه مصالحه؟ أي عليه مبلغ من المال دَيْنًا، ومع خصمه سندٌ، وخصمه إنسان مُخيفٌ، فإن لم يدفع هذا المبلغ أقام عليه دعوى، وحَجَزَ على أملاكه، وَشَوَّه سمعته في البلد، فإذا بادر إلى دفع هذا المبلغ نجا وحفظ قدْرَه، وهذا سلوك مدني، أما الأمانة فهي غير هذا، فهذا أمين، لأنه يتعامل مع الله سبحانه.
لقد ألقيتُ درسًا في المسجد قبل عام أو عام ونصف عن الأمانة، وذكرت فيه نقطة دقيقة: أن الأمانة لا تكون أمانةً كما أرادها الله عزّ وجل إلا بحالاتٍ دقيقة وخاصة، منها: أن إنسانًا أعطاك مبلغًا ضخمًا من دون أن يأخذ منك إيصالًا، ومن دون أن يُعلِم أحدًا من البشر، حتى أهله، ثم مات فجأةً، فذهبتَ إلى الورثة بعد موته، وقلت لهم: إن هذا المبلغ أمانةٌ لكم عندي فخذوه، هذه هي الأمانة، أي أنك لست مُدانًا في الأرض، وبعد أقلَّ من عام عرَّجتُ على هذا الموضوع بسرعةٍ في جامع النابلسي، فجاءتني ورقة مِن أحد الحضور، وأنا واللهِ أعتز بها، وهي عندي في البيت، قال فيها صاحبُها: أنا بِناءً على درس الاثنين في جامع العثمان دفعتُ عشرين مليونًا لجهةٍ لا تملك وثيقةً، ولا معرفةَ لأحدٍ بهذا المبلغ، فكانت هناك شراكة لي مع رب هذه الأُسرة، والشريكُ لم يُعلِم أحدًا بهذا المبلغ، وتوفي فجأةً، فقال لي: بناءً على هذا الدرس دفعت هذا المبلغ لأهل الميت، إذًا: هذه هي الأمانة حقًّا.