مرة قرأت كتابًا مِن أربعة أجزاء اسمه قصص العرب, وهو ممتع جدًا كلها قصص واقعية، بعد أن قرأت الكتاب وجدت فيه عبرةً عظيمة، أن هؤلاء الذي قرأت عنهم بعضهم ملوك، وبعضهم علماء، وبعضهم حكماء، وبعضهم صعاليك، وبعضهم أذكياء، وبعضهم أغبياء، هؤلاء جميعًا من دون استثناء كلُّهم الآن تحت الثرى، قلت: وسيأتي علينا جميعًا يوم لا ترى فوق التراب إنْسِيًّا ولا مخلوقًا، إذًا: كل معدودٍ منقضٍ, وكل متوقعٍ آت, وكل آتٍ قريب.
كلمته عن القضاء والقدر:
ومن أروع ما قال هذا الإمام الجليل في القضاء والقدر عندما سأله أحد السائلين:"أكان مسيرنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر؟ وبعد كلامٍ طويل, قال: ويحك لعلك ظننت قضاءً لازمًا، وقدرًًا محتومًا، لو كان كذلك لبطُل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إن الله تعالى أمر عباده تخيرًا، ونهاهم تحذيرًا، وكلَّف يسيرًا، ولم يكلف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مغلوبًا، ولم يُطَعْ مكرهًا، ولم يرسل الأنبياء لعبًا، ولم ينزل الكتاب للعبادِ عبثًا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلًا، ذلك ظنُّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار".
هل كان هذا الإمام جبريًا في عقيدته؟ أبدًا, إنه يؤمن أن الإنسان مخير، لو كان هناك جبر لبَطُل الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، والتكليف والأمانة والتبعة والمسؤولية، وأصبح إرسال الأنبياء لعبًا، وإنزال الكتب عبثًا، وانتهى كل شيء، فما مِن إنسان يعتقد عقيدة الجبر إلا زلَّ وضلَّ.
قيمة المرء ما يحسنه:
قال:"قيمة كل امرئ ما يحسنه، أما في آخر الزمان فقيمة المرء متاعه"، أي ثمن بدلتك، ونوع سيارتك، وموقع بيتك، ومساحته، وأثاثه، والتحف، وقد يكون صاحبُ هذا المتاع أحقرَ إنسان، يقول سيدنا علي:"قيمة المرء ما يحسنه، أما في آخر الزمان قيمة المرء متاعه", والإنسانُ في زمن التخلف يستمد مكانته من المظاهر الخارجية.