الصفحة 285 من 371

يقول هذا الإمام الجليل:"أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثرٌ إلا ويد الله بيده يرفعه", كلام جميل جدًا، إنسان له ماض، فهذا حاطب بن أبي بلتعة صحابيٌ جليل، ضُبِط متلبسًا بخيانةٍ عظمى, أرسل كتابًا إلى قريش مع امرأةٍ وهذا الكتاب يُفْشي سر رسول الله عليه الصلاة والسلام, يقول لقريش: إن محمدًا سوف يغزوكم فخذوا حذركم، هذا الخبر في مقاييس العالم كله خيانةٌ عظمى يستحق الإعدام، جاء الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره الخبر, فأرسل أحد أصحابه إلى المرأة وهي في الطريق فانتزع منها الكتاب، واستدعى النبي حاطب بن أبي بلتعة، وقال له: ما هذا يا حاطب؟ فقال سيدنا عمر: يا رسول الله, دعني أضرب عنق هذا المنافق. والقتل جزاء عادل له، ولكن هنا عظمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: لا يا عمر إنه شهد بدرًا، فالهدر أي أن تهدر للإنسان ماضيه، تهدر له عمله الطيِّب لإساءةٍ كبيرة أو صغيرة، فهذا ليس من المروءة، وقال حاطب: يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، وذكر له عذره، فالنبي الكريم قال:

"إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيرًا".

(ورد في الأثر)

حتى إن كُتَّاب السيرة, قالوا:"نظر عمر إلى ذنبه، ونظر النبي إلى صاحب الذنب، فرأى أن ذنبه لحظة ضعفٍ طارئة ألمّت به، فأعانه على نفسه، وأنهضه، وصلح عمله، وأرسله بعد حين رسوله الشخصي إلى بعض الملوك، واستحق أعلى مراتب الإيمان".

ماذا يقول هذا الإمام الجليل؟ أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده يرفعه, أي إن الله عزّ وجل وفيٌّ، فإذا كان لك ماضٍ طيِّب، إذا كانت لك استقامتك، وأعمالك الصالحة، ودعوتك إلى الله، ثم حدث خطأ أخذَ الله عزّ وجل بيدك ليؤدبك، ولكن الله عزّ وجل لا يتخلى عنك، وهذا من أجلِّ الطمأنينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت