هناك موقف لسيدنا علي، وهو الحقيقة شهادة كبيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل، إلا أنني كما قلت في الدرس السابق: المزية لا توجب الأفضلية، فما من صحابيٍ اتصل به النبيُّ الكريم، وتعامل معه، واقترب منه إلا وظن هذا الصحابي أنه أقرب الناس إليه؟ وهذه من روائع عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ومن حكمته، فسيدنا علي حينما كان يوم خيبر أمام حصنها المنيع، ارتدت أول يومٍ كتيبةٌ قوية يقودها أبو بكر، ثم ارتدت في اليوم الثاني كتيبةٌ أُخرى يقودها عمر بن الخطاب، فلم يجزع النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما ألقى على الصفوف الحافلة بأصحابه وبجيشه نظرةً متفائلة, وقال:"لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيٌّ؟ فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ".
(أخرجه البخاري في الصحيح)
حمل هذه الراية سيدنا علي، وتقدَّم الكتيبة يهرول هرولةً, وأمام باب الحصن نادى: أنا علي بن أبي طالب، وقال:"والله، والذي نفسي بيده لأذوقن ما ذاق حمزة أو ليفتحن الله علي", أي إما النصر وإما الشهادة، وأجرى الله جلَّ جلاله على يد هذا الإمام النصر، وفتح باب الحصن، واقتحمه المسلمون, وتمت نبوة النبي عليه الصلاة والسلام, وهتف المؤمنون: الله أكبر خربتْ خيبر.