أحد أخواننا المختصين بالتاريخ التقيت به مرة، قال لي: يا أستاذ, هل تصدق أن قصة بحيرة الراهب الذي التقى به النبي عليه الصلاة والسلام في بُصرى حينما كان طفلًا صغيرًا، هذه القصة لا أصل لها من الصحة، جملةً وتفصيلًا؟ وهو في صدد نشر كتابٍ حولها, وإذا وقعتْ في حجمها الذي قرأته, فخذ منها موقفًا يتناسب مع قول الله تعالى:
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
(سورة البقرة الآية: 134)
هذا الموقف مريح جدًا، فقد ضربتُ مثلًا ذات مرة، وهو أنك متجه نحو مدينة في الشمال، ولك في هذه المدينة مبلغ ضخم لتقبضه، والوقت محدد، كأنْ تقبض من حلب مليون ليرة من الساعة الثانية عشر إلى الواحدة، فإذا تأخَّرت عن هذا الموعد ضاع منك المبلغ، فوجدت خلفك مشكلة بين سيارتين، هل من العقل أن تقف وتتفرج, وأنت أمامك مبلغ كبير تنتظر أن تظفرَ به؟
ما الذي فرق المسلمون؟
أيها الأخوة, ما الذي فرَّق المسلمون؟ هذه المنازعات، ما الذي أضعفهم؟ هذه الخصومات، ما الذي ثبَّط عزائمهم؟ هذه المهاترات، لذلك ما من بلاءٍ ابتُلِيَ به المسلمون أشد من هذه الخلافات فيما بينهم، التي فتَّتتْ عزيمتهم، وأضعفت قوتهم، وجعلتهم ضعفاء, قال تعالى:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
(سورة الأنفال الآية: 46)
من خلال سفري الأخير وجدت الكفر في تلك البلاد قويًّا متفوقًا، والمسلمون إن لم يتَّحِدوا، وإن لم يتعاونوا، وإن لم يتفوقوا، فلا مكان لهم في العالم، فالقضية خطيرة جدًا، يجب أن ننفتح على بعضنا، وأن نتعاون فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
مواعظ الإمام علي بن أبي طالب: