كنت أقول: إن هذه المقدمة ينبغي أن تكتب على رأس كل صفحة في هذا الكتاب، فما الذي حصل بعد هذا؟ يأتي الرجل فيفتح كتاب الطبري، ويقرأ عن خلافاتٍ وقعتْ بين الصحابة، وينسى أن المؤلف نفسه, قال في مقدمة الكتاب:"جمعت لك كل ما وقع تحت يدي من روايات وعليك أيها القارئ أن تمحصها, وأن تأخذ الثمين منها وأن تدع الغث".
هذه المقدمة نُسِيَت، ونسينا جميعًا أن الإمام الطبري يتحفظ على بعض الروايات، هو يصمم بعضها بأنها موضوع، وأنه مختلق، فلذلك قبل أن نخوض في الحديث فيما جرى بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا موضوع دقيق جدًا، ويحتاج إلى تفحُّص، وإلى دقة في التأمُّل قبل أن نأخذ صورة لا ترضينا عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعن جابر مرفوعا:"إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاخْتَارَ لِي مِنْ أَصْحَابِي أَرْبَعَةً - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعلي - فَجَعَلَهُمْ أَصْحَابِي".
(أخرجه البزَّار في مسنده)
وفي رواية أخرى عن عويم بن ساعدة, قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجل اختارني، واختار لي أصحابي، فجعل لي منهم وزراء، وأختانا، وأصهارا، فمَن سبَّهم فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، ولا يقبلُ اللهُ منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا".
(ورد في الأثر)
وما رأيت مؤمنًا كاملًا إلا ويترفع عن الخوض في مسألةٍ خلافيةٍ بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنهم جميعًا عدولٌ، ولأن الله رضي عنهم جميعًا بنص القرآن الكريم، قال تعالى:
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}
(سورة الفتح الآية: 18)