مرةً ثانية رأى أبو طالب ابنه يصلي، فقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام يصلي وقد وقف عليٌ كرم الله وجهه على يمينه، ولمح من بعيدٍ ولده جعفرًا فناداه، حتى إذا اقترب منه قال له:"صِلْ جناح ابن عمك، وصلِّ عن يساره".
أي إن عليًّا عن يمينه، وأنت عن يساره، هذا درسٌ بليغٌ للآباء، فالأب الذي يرى ابنه قد اهتدى إلى سواء السبيل ينبغي أن يفرح فرحًا لا يقدَّر بثمن، ينبغي أن يغتبط لهذا الحدث، ينبغي أن يمتلئ قلبه سرورًا، ولو أن أبًا عرف مصير ابنه المهتدي لأدرك أنه حاز شرف الدنيا والآخرة، لذلك ورد في الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلمّ:"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ".
(أخرجه أحمد عن عائشة في مسنده)
فأبو طالب والد سيدنا علي كرم الله وجهه حينما تبيَّن له أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادقٌ، وحينما جاؤوه يطلبون منه أن يقنع ابن أخيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يكُفَّ عن دعوته لئلا يسفه آلهة قريش ويسفه أحلامها، قالوا له يا أبا طالب:"إن لك فينا سنًا وشرفًا ومنزلةً، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وعيب آلهتنا، وتسفيه آلهتنا، فإما أن تكُفَّه عنا، أو ننازله وإياك، حتى يهلك منا أحد الفريقين"، فلما عرض على ابن أخيه هذا العرض, قال قولته الشهيرة:"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
(ورد في الأثر)