وما علم هذا الصحابي الجليل أنه هو الذي سيجيء بعد عمر، سيدنا عثمان جاء على أثر خليفتين ليس لهما نظير، وجاء بعد عشر سنوات عُمرية، فرض فيها الفاروق على المسلمين منهجه الصارم، وعدله المتين، وحمل ولاته وعُمَّاله على مثل ما حمل عليه نفسه من زهدٍ وتقُّشفٍ وعناء، جاء سيدنا عثمان، والدولة تتسع رقعتها، وتتلاطم تحت راياتها، أجناس شتّى، متباينة الطباع والغايات، جاء والدنيا فُتحت على المسلمين، حيث أصبح دخلهم من التجارة، وأنصباؤهم من الفيء تزيد عن احتياجاتهم، وكان عمر يرى إقبال الدنيا في بداياتها، فيرتجف، ويقول: إن للمال ضراوةً كضراوة الخمر، المال يقسّي القلوب، الغنى أحيانًا يبعد عن الواحد الديَّان، وذكر قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:"فَوَ اللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ"
(أخرجه ابن ماجة في سننه)
قد تجد مجموعة مؤمنين متألقين جدًا، وهم فقراء، بل معدمون، في بداياتهم بالدراسة أو الجامعة، تجدهم يحبون بعضهم بعضًا، ويؤثرون بعضهم بعضًا، يتفانون في خدمة بعضهم بعضًا، فإذا نالوا الشهادات العالية، وتسلَّموا الوظائف الراقية، واغتنوا وتزوَّجوا، وصار كل واحد منهم يشار إليه بالبنان؛ تنافسوا، وتباغضوا، وتحاسدوا، فلذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة، بل أن تبقى في القمة، أن تصل إلى قمة النجاح، وأن تبقى في هذه القمة، فكثيرًا ما يصل الإنسان إلى القمة، ثم ينزلق إلى الوادي السحيق.
ماذا قال في خطابه حينما تسلَّم الخلافة؟ قال: أيها الناس، إنّ الدنيا طويت على الغرور، فلا تغُرَّنكم الحياة الدنيا، ولا يغُرَّنكم بالله الغَرور، ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب للدنيا مثلًا، فقال: