الصفحة 209 من 371

يروي بعض الصحابة عن أبيه, قوله: ما رأيت أحدًا كان إذا حدَّث حديثًا أتمَّ حديثًا، ولا أحسن من عثمان، إلا أنه كان رجلًا يهاب الحديث، كان إنسان متألِّق جدًا، حديثه جميل، ولكنه كان يهاب الحديث.

هناك قصة سأرويها لكم تبيِّن لِمَ كان هيَّابًا؟ قالوا مرةً: أطلَّ هذا الخليفة، قبل أن يكون خليفة، وفي عهد عمر، أطلَّ من نافذة داره، فأبصر على البُعدِ رجلًا يجري في قيظ النهار، وهجير الصحراء، فظنَّه غريبًا نزل به كربٌ عظيم، ولبث مطلًا من نافذته حتى يصل ذلك الرجل الملهوف، فيدعوه إلى ظلِّ داره، ويغيثه من لهفته، وكم كانت دهشته وعجبه حينما اقترب الرجل, مَن هو؟ إنه سيدنا عمر، فإذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ممسكًا بخطام بعيرٍ يتهادى وراءه.

هذا كلام لا تعرفون وطأته إلا إذا ذهبتم إلى بلاد الحجاز للحج أو العمرة، ماذا يعني السير في الطريق ظهرًا في أيام الصيف؟ وسأله عثمان: من أين يا أمير المؤمنين؟ وأجابه عمر: من حيث ترى، بعيرٌ من إبل الصدقة ندَّ هاربًا، فأسرعت وراءه ورجعت به، وعاد عثمان يسأل: يا أمير المؤمنين ألم يكن هناك من يقوم بهذا العمل سواك؟ , وأجابه عمر: ومن يقوم مقامي في الحساب يوم القيامة؟ ودعاه عثمان إلى الراحة حتى تنكسر حدة الهجير، فما زاد عمر على أن قال ودموعه الورعة تسيل من مآقيه (هكذا قيل) قال له: عُد إلى ظلِّك يا عثمان، ومضى لسبيله وعينا عثمان متعلقتان به حتى غاب عنهما، وراح عثمان يتمتم قائلًا: لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك، أعان الله مَن يأتي بعدك.

أحيانًا في مجال التعليم يكون هناك مدرسٌ متفوقٌ جدًا، يأتي بعده مدرس جيد، ولكنه ليس في مستوى الأول، يتعب كثيرًا مع الطلاب، وكذلك مؤسسة يديرها مديرٌ ممتازٌ، يأتي بعده مدير يتعب كثيرًا، لذلك إذا أردت أن تصف إنسانًا فذًا عظيمًا, تقول: أتعب من جاء بعده، وأخمل من جاء قبله، الذي قبله ما عاد يذكرهم أحد، والذين جاؤوا بعده تعبوا كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت