الصفحة 208 من 371

هكذا حمل عثمان أثقال الخلافة، حملها وهو على وشك أن يستقبل السبعين من عمره، والأمر في زماننا هذا يتقاعد في سن الستين، ويقال عنه: خرف، وأساس التقاعد أن الإنسان تتجمد ملكاته، ويتكلَّس عقله، ولم تعُد عنده إمكانية أن يفكِّر, أو يجدد، أو يطوِّر، لذلك في معظم بلاد العالم الإنسان إذا بلغ الستين يحال إلى التقاعد، إلا في بعض البلدان، وفي الجامعة فقط، لأن الإنسان إذا عمل بعقله لم يضمر عقلُه، سيدنا عثمان تسلَّم هذا المنصب، وهو في السبعين، اسمعوا إلى هذا الكلام: المؤمن لا يشيخ أبدًا، المؤمن شاب دائمًا، يضعف بصره، ويشيب شعره، وينحنى ظهره، وتضعف قوته، وتظهر عليه أعراض الشيخوخة، لكنه لا يشيخ، وتبقى نفسه شابةً، لأن هدفه كبير.

وسوف تسمعون فيما نستقبل من الحديث ما لا يصدَّق، إنسان في السبعين له عزم الشباب، وهمة الشباب، وتألُّق الشباب، وتوقُّد عزيمة الشباب.

حال الخليفة الراشد عثمان بن عفان عند استلام منصب الخلافة:

سيدنا عثمان تلقَّى البيعة وهو يرتجف، هذا الوجل وهذا التهيُّب فيما يظنُّ كتَّاب السيرة أن سببه الهيبة الشديدة من هذه المسؤولية التي أُنيطت به، يقول لك: مسؤول، والناس في زماننا لا يفقهون حقيقة كلمة مسؤول، ولا المهمة التي على عاتقه، يقول لك: مسؤول كبير، فيظن أنه لفظ فيه مديح، لو وقف عند معناها لا رتعدت فرائصه، ما معنى مسؤول كبير؟ أي عليه مسؤولية شديدة، أي سوف يُسأل عن كل صغيرة وكبيرة.

مرةً دخلت امرأةٌ على سيدنا عمر بن عبد العزيز، فرأته يبكي، قالت له: ما لك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحَّت عليه, قال: إني قد ولّيت أمر المسلمين، فرأيت أن الجائع والمريض والعارف والمقطوع وابن السبيل، وعدد أصناف الأشخاص الذي يعانون من بعض المشكلات, قال: علمت أن الله سيسألني عنهم جميعًا، وأن خصمي دونهم هو رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، فلهذا أبكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت