فمرة دخلت إلى مسجد، فأيّ مسجد والحمد لله فيه دروس علم، وفيه خطب وفيه حلقات ذكر، فوجدت أنه لولا الذين بنوا هذا المسجد، وجعلوه مكانًا لطاعة الله، ومكانًا للعمل الصالح، لولا هؤلاء الذين جمعوا التبرعات، لولا هؤلاء لما اجتمعنا في هذا المكان، فالعمل الصالح يحتاج إلى ظرفٍ يحتويه، فإذا كانت الدعوة إلى الله عملًا عظيمًا، والصلوات والذكر والتدريس هي أعمالٌ عظيمة كذلك، فليس أقلَّ عظمةً من هذا العمل إلا من أسس هذا البناء، وساهم فيه، فتوسعة المسجد شيء ثمين جدًا.
4 -جهز جيش العسرة:
وفي العام التاسع الهجري ولَّى هِرقل الإمبراطور الروماني وجهه صوب الجزيرة العربية، متوجهًا برغبةٍ شريرة في العدوان عليها، والتهامها، وكان الدين الجديد برسوله العظيم، ورجاله الشجعان البواسل قد ملؤوا حياته وحياة بيزنطة كلها قلقًا وخوفًا، أي أن المؤمنين أصبحوا مصدر قلق للرومان، فهذا الإمبراطور بعد أن انتصر على بلاد فارس قرر أن يسير إلى الجزيرة العربية، ليستولي عليها، فأمر قوَّاته بالاستعداد وانتظار أمره بالزحف، وترامت الأنباء إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فنادى أصحابه للتهيّؤ للجهاد، وكان الصيف حارًا يصهر الجبال، وكانت البلاد تعاني من الجدب والعسر فيما تعاني، فإذا قاوم المسلمون بإيمانهم وطأة الحر القاتل، وخرجوا إلى الجهاد عبْرَ الصحراء الملتهبة، فمِن أين لهم العتاد والنفقات الباهظة التي يحتاجها القتال؟.
فالقضية خطيرة جدًا, فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أنّه لا بدَّ أن يذهب لملاقاتهم وإلا يستضعفونه، وهذه الغزوة التي كانت في أشهر الصيف، والوقت شديد الحرارة، والبلاد مجدبةٌ، فالسنة سنة محل، فلا مال لديهم ولا عتاد كافٍ بين أيديهم، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصفوف الطويلة العريضة من الذين تهيَّؤوا للقتال, وقال:"من يجهِّز هؤلاء، ويغفر الله له؟".
(ورد في الأثر)