الصفحة 176 من 371

فأحيانًا الإنسان قبل أن يستمع لإنسان، قبل أن يستمع لأفكاره، وإلى أدلته، قبل أن يناقشه، قبل أن يحاوره، هناك شيء يسبق الحوار والمناقشة، وهو أخلاق الرجل، فأحيانًا يكون المؤمن صامتًا، لكن سمته الحسن، وأخلاقه العالية، ووفاؤه، وصدقه، وأمانته، وورعه، وانضباطه وإتقانه لعمله، وتفوُّقه في عمله، هذه الصفات هي التي تجلب النظر إليه، هي التي تدعو الناس للالتفاف حوله، هي التي تجعل الناس يرمقونه بنظرات الإكبار والإجلال.

فسيدنا عثمان بن عفان كان شخصًا أخلاقيًّا، فلما سمع بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام سارع إلى تصديقها والإيمان بها، فكان خامس صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام دخل الإسلام, يقول كتّابُ السيرة: كان محمد صلى الله عليه وسلَّم قبل أن يكون رسولًا يملأ الأفئدة الذَّكية الصافية روعةً وتأثيرا، وكان لعثمان فؤادٌ من هذا الطراز، يحمل لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم أروع الصور وأبهاها.

أيها الأخوة، والله بإمكانك أن تكون أكبر داعية، وأنت ساكت دون أن تقول كلمة، فلك سمعة، لك سلوك، لك كلام منطقي، لك كلام مهذَّب، ولو أقام معك شخص خمس سنوات لم يسمع منك مُزاحًا سيء، ولم يسمع كلمة نابية أو تعليقًا ساخرًا، وما سمع تهكُّمًا أبدًا، بل أنت دائمًا جاد، فهذا الذي يجهد أن يقول كاملًا هو داعية إلى الله، وهو لا يدري، داعية بكل معنى لهذه الكلمة، هذا الكلام استنبطته من أن هذا الصحابي الجليل سارع إلى الإيمان برسول الله عليه الصلاة والسلام، لا لأنه سمع منه الكثير، وناقشه كثيرًا، فالقضية أقوى من ذلك، فأخلاق النبي العالية، وسماته العظيمة، وسمعته الطيبة، وكماله هي التي جذبتْ أصحابه إليه، فقوة الجذب تكون أحيانًا بالتواضع، وتكون أحيانًا بالكرم، وأحيانًا بإطعام الطعام، وبالتسامح، وبالعطف، وبالرحمة، وبالإنصاف، وبالعدالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت