الصفحة 150 من 371

معنى ذلك أن الإنسان إذا كان في ريعان الشباب، وعملُه في الأسواق، وغَضَّ بصره فهذا له أجر كبير، من السهل أن تعتزل الناس، وأن تقعد في بيت في رأس الجبل، ليس لك أية مخالفة، لكن أن يكون لك عمل في سوق تجاري, وتجمع في سلوكك الصِدْق والأمانة والاستقامة، فهذه بطولة، وهذه المجاهدة, ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى".

(ورد في الأثر)

اجتهاد عمر في المسائل , ولكل مسألة ظرفًا حكم بها:

أحيانًا كان يستفَتى في قضية يعطي فيها رأيه، وحين استفتي في قضية مشابهة أعطي رأيًا آخر، فلما قيل له: إن لك في هذا اجتهادين متناقضين، فقال سيدنا عمر: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي، أي أن المشكلة واحدة، ولكن لها ظروف مختلفة.

قد يقول لك: هل على الحلي زكاة؟ تقول له: لا يوجد عليها زكاة، فمثلًا امرأة فقيرة، عندها سواران، ليس عندها غيرهما، فهل يكلِّفها الشرع أن تبيع واحدة لكي تدفع الزكاة؟ هذه لا زكاة عليها، لكن امرأة غنية معها مئات الألوف نقدًا، ومعها حلي, فنقول لها: الأحاديث تؤكِّد أنّ على الحلي زكاة, هذا اجتهادان مختلفان.

له اجتهاد دقيق جدًا, في سهم المؤلفة قلوبهم الذي يُؤدَّى من الزكاة، فقد أبطله في حياته، الإسلام كان ضعيفًا، وكان بحاجة إلى تأييد الأقوياء، فكان هؤلاء الذين سماهم القرآن المؤلفةَ قلوبهم نعطيهم، والإسلام ضعيف، أما وقد نصر الله الإسلام، وقويتْ شكيمته، وأصبح قويًا، فالآن هذا السهم ليس له وجود، هذا اجتهاد سيدنا عمر، قال:"لقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعطيهم، والإسلام يومئذٍ ضعيف، أما اليوم فقد أعز الله دينه، وأعلى كلمته، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولا يتسع هذا الدين إلا من يدخله راغبًا مؤمنًا"، فمع ورعه الشديد، مع تقيده الشديد بالنص كان جريئًا في اجتهاده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت