الصفحة 148 من 371

تكلم أحدُهم كلامًا قبيحًا، وهو أنيق جدًا، فقال له آخر: إمّا أن تلبس مثل كلامك، أو إما أنْ تتكلم مثل لباسك، فهذا الإنسان لما رأيته، رأيته أنيقًا، بهي الطلعة، ثيابه جميلة، فهذا أول انطباع، فلما تكلم نسيتَ شكله، فكلامه إما أن يرفعه إلى أعلى عليين، وإما أن يهوي به أسفل سافلين, قال الشاعر:

وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلُّمِ

تكلم كلامًا طيبًا، فما هذا العلم؟ لديه منطق، وحجة، وبرهان، وطلاقة لسان، وطلاوة حروف، شيء جميل، ذهبت معه إلى نزهة، لم يشتغل، بل دفعك أنت، ولم يشتغل شيئًا فتنسى كلامه، فالكلام ينسيك الشكل، والمعاملة تنسيك الكلام، والعبرة أنْ يكون الإنسان في سلوكه وفق ما يريد الله عزَّ وجل.

ليست العبرة أن يعرفك الناس , وإنما العبرة أن يكون لك مقام عند الله:

القصة المشهورة جدًا عن سيدنا عمر، أنه طلب من شخص أن يأتي بمن يعرفه، قال له:"يا هذا إني لا أعرفك، قال: ولا يضرك أني لا أعرفك, قال: ائت بمن يعرفك، فجاءه بشخص قال له: هل تعرفه؟ قال له: نعم أعرفه، قال له: هل سافرت معه؟ قال له: لا، هل جاورته؟ , قال له: لا، هل حاككته بالدرهم والدينار؟ , قال له: لا، قال له: أنت لا تعرفه", ولما جاءه رسول من القادسية يخبره أنَّ خلقًا كثيرًا مات فيها, قال له: من هم؟ قال له: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر، وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم"، فمن أنا؟."

فلما قال للإنسان:"يا هذا إني لا أعرفك, قال: ولا يضرك أني لا أعرفك", أنا عبد مثلك، لا أقدِّم ولا أؤخِّر، قد تكون أفضل مني، فإذا لم تعرف إنسانًا فهذا لا يقدح في مكانتك، وإذا دخلت إلى مكان، ولم يعرفوك، فلا تقل: لم يعرفوني، ولم يوجهوني، ليست هذه مشكلة، مقامك عند الله محفوظ، فالأتقياء الأخفياء أثنى عليهم النبي الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت