كان إدراكه عميقًا جدًا, قال:"ما من أحدٍ عنده نعمة إلا وجدت له حاسدًا، ولو كان المرء أقوم من القِدح لوجدت له غامزًا"، أي من المستحيل ألاّ يكون لك خصم, فأنت وطِّن نفسك وارتاح، فلا بدَّ لك من خصومة، لا بد لك من حُسَّاد، حتى إن سيدنا موسى في المناجاة, قال:"يا ربي لا تبقي لي عدوًا, قال له: هذه ليست لي يا موسى", أفتطمع ألاّ يكون لك أي عدو؟ هذا الطمع في غير محله، لك عدو ولك خصم, ولك حاسد ولك مبغض, ولك من يطعن بعلمك، ولك من يبخِّس عملك, هذا شيء طبيعي جدًا من أجل أن يكثر أجرك، واعلمْ أن النبي له أعداء، قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ}
(سورة الأنعام الآية: 112)
عدة آيات تؤكد هذا المعنى، إذًا: ما من أحدٍ عنده نعمة إلاّ وله أعداء، إذا كان عندك مال فلك أعداء، إذا كان عندك علم فلك أعداء، إذا كان عندك قوة ملموسة فلك أعداء، شيء طبيعي جدًا هذه سنة الحياة، فلما الإنسان يوطن نفسه على أن الحياةَ لا تخلو من مبغض، ومنافق، وحاسد، وغيور، وطعَّان، ولعَّان، فنظرته واقعية.
وله ميزان آخر, قال:"أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سيرةً", والله فلان صاحب دين، فلان حقَّاني، فلان شهم، فلان رحيم، فلان منصف، هذا كلام الناس, قال:"فإذا تكلمتم فأبينُكُم منطقًا", أي أحبكم إلينا إذا تكلمتم، كلام واضح، حجة قوية، تعليل دقيق، شاهد قوي، قال:"فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلًا".
خطر في بالي شيء مشابه لهذا، أن بعض الناس تجالسه فلا يتكلم بأيّة كلمة، قد تقول: طويل، لونه حنطي، جميل الوجه, فإذا تكلم نسيتَ شكله، وإذا تكلم كلامًا سيئًا نسيتَ مظهرَه, قال الشاعر:
جمال الوجه مع قبح النفوس ... كقنديلٍ على قبر المجوس