قال عمر: وما معك؟ قال: معي جرابي، أحمل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها، ومعي قربة لوضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوًا إن عرض، فوالله ما الدنيا إلا تبعٌ لمتاعي؟
قال عمر: أجئت ماشيًا؟
قال: نعم.
قال: أولم تجد من يتبرع لك بدابةٍ تركبها؟
قال: لا، إنهم لم يفعلوا، وأنا لم أسألهم.
قال: فماذا عملت فيما عهدنا إليك به؟
قال: أتيت البلد الذي بعثتني إليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جمع فيئهم وأموالهم، حتى إذا جمعوها وضعتُها في مواضعها، ولو بقي لك منها شيءٌ لأتيتك به.
قال عمر لكاتبه: جدد عهدًا لعمير.
قال له: هيهات، تلك أيامٌ خلت، لا عملت لك ولا لأحد بعدك أبدًا"كفاني ذلك، رجل في أعلى درجة من النزاهة، سيدنا عمر كان على حق، مضت سنة، ولم يأت منه أخبار، ما شأنه؟ وماذا جرى له؟."
انظر إلى تقشفه رضي الله عنه:
سيدنا عمر مرة حج، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة:"صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج، ثم رجعنا، فما ضُرِبَ لنا فسطاط ولا خباء ولا كان له بناءٌ يستظل به, إنما يلقي كساء على شجرةٍ فيستظل تحتها".
ويقول بشار بن نمير:"وسألني عمر, كم أنفقنا في حجتنا هذه؟"
قلت: خمسة عشر دينارًا.
قال: لقد أسرفنا في هذا المال، وسيدنا عمر تحت يديه كنوز كسرى وقيصر، ومعه أموال طائلة.
أبلغي من أبلغك هذا الكلام:
يبدو من شدة تقشفه, وخشونة طعامه, أنّ أصحابه الخُلَّص تمنوا أن يمتع نفسه قليلًا، فاجتمعوا، وتداولوا، واتفقوا على أن يلتمسوا عنده أن يرفع راتبه قليلًا، لأنه رفع رواتب كل من حوله إلا هو.
سيدنا عثمان رأى أن تُدفَع ابنته حفصة إلى أن تُلقِي عليه هذا الرجاء، واستكتموها أمرهم، وطلبوا إليها أن تستطلع أمر أبيها، ذهبت حفصة إلى عمر متهيبة، وأخذت تسوق الحديث بحذر ورفق, قال عمر: من بعثك إلي بهذا؟
قالت: لا أحد.
قال: بل بعثك بهذا قومٌ لو عرفتهم لحاسبتهم.