مرة تلقى شكوى ضد والٍ من ولاته، اسمه سعيد بن عامر الجُمَحي، استدعاه عمر، وواجهه بالشاكين، وقال لهم: تكلموا، قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فقال الوالي: والله يا أمير المؤمنين, إني كنت أكره أن أذكر السبب، ليس لأهلي خادم فأنا أعجن لهم عجينهم، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج إليهم، فأشرقت ملامح عمر، قال: السؤال الثاني، قالوا: لا يجيب أحدًا بليل، قال: والله إني كنت أكره ذكر ذلك، إني جعلت النهار لهم، والليل لي، فقال: اسألوه السؤال الثالث، قال: إن له في الشهر يومًا لا يقابل فيه أحدًا، قال سعيد: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ففي هذا اليوم أغسلها، وأنتظرها حتى تجف، ثم أخرج إليهم آخر النهار"، سيدنا عمر ملأ قلبه السرور والغبطة، بأن هذا الوالي على شاكلته، وقد أعطى الأجوبة الكافية."
ألم يقل سيدنا عمر لرسول عامله على أذربيجان حين سأله: ألا تنام الليل؟ قال: إني لو نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي"."
مرة أرسل سيدنا عمر واليًا على حمص اسمه عمير بن سعد، مكث هناك عامًا، وما أرسل له خراج حمص، ولا تصل منه أنباء.
فقال عمر لكاتبه:"اكتب إلى عمير فإني أخاف أن يكون قد خاننا، وأرسل إليه يستدعيه"
قالوا: ذات يومٍ شهدت شوارع المدينة رجلًا أشعث أغبر، تغشاه وعثاء السفر، يكاد يقتلع قدميه من الأرض اقتلاعًا من طول ما لاقى من عناء وبذل من جهد، على كتفه اليمنى جرابٌ وقصعة، وعلى كتفه اليسرى قُربةٌ صغيرةٌ فيها ماء، وإنه ليتوكأ على عصى ولا يؤودها حمله الضامر الوهنان, دخل على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, فدهش الفاروق من حالته, وقال: ما شأنك يا عمير؟
قال: شأني ما ترى، ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرنيها؟