يوجد توجيه آخر, الملك حينما أجابه إلى دعوته وأطلق يده, فهذا مقبول، إذا أطلقت يدك في حقل من الحقول، وأنت مؤمن واثق من استقامتك، وعلمك، وخبرتك، وورعك, وإخلاصك، وولائك للمصلحة العامة، فإذا طلبت هذا الأمر من أجل أن تحقق إنجازًا كبيرًا, فهذا الشيء أيضًا مقبول.
مرةً يقول لأحد ولاته:"لم أستعملك على دماء المسلمين، ولا على أعراضهم، ولكني استعملتك لتقيم فيهم الصلاة، وتقسم بينهم، وتحكم فيهم بالعدل، ثم يعدُّ له عدًا النواهي التي عليه أن يتجنبها، لا تركب دابةً مطهمةً، ولا تلبس ثوبًا رقيقًا، ولا تأكل طعامًا رافهًا، ولا تغلق بابك دون حوائج الناس"هذه كانت توجيهاته للولاة.
مرةً قال لأخوانه:"دلوني على رجلٍ أَكِل إليه أمرًا يهمني, فقالوا: فلان, فقال: ليس لنا فيه حاجة, قالوا: فمن تريد إذًا؟ قال: أريد رجلًا إذا كان في القوم وليس أميرًا لهم بدا وكأنه أميرهم"من شدة حرصه ورحمته، من شدة انتمائه لهم، من شدة غيرته عليهم.
ألم يفعل هذا سيدنا خالد في بعض المعارك حينما أمَّر نفسه في معركة اليرموك، وهو ليس أميرًا، لكن وجد من المصلحة العامة أن يؤمِّر نفسه حتى ينقذ الموقف, هذا مقياس الخليفة العظيم في اختيار الولاة.
"سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام لما كان مع أصحابه في سفر, وأرادوا أن يعالجوا شاةً لمأكلة, قال بعضهم: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فلما قيل له: يا نبي الله نكفيك ذلك, قال: أعرف ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزًا على أقرانه".
(ورد في الأثر)
فَسُرَّ الصحابة لأنهم سمعوا هذه التوجيهات من نبيهم فطبّقوها بحذافيرها، وكم من إنسان يروي هذه القصة، وبينه وبين مَن معه بون شاسع, هو في برجٍ, وهم في الحضيض؟ فالعبرة لا بتلاوة وقائع السيرة بل العبرة بتمثُّل هذه السيرة والعمل بها.