كان هذا الخليفة الراشد يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء دقيقًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام, قال:"إنا والله لا نولي هذا الأمر أحدًا يسأله أو يحرص عليه".
(ورد في الأثر)
وذات يوم أسَرَّ هذا الخليفة في نفسه أن يختار أحد أصحابه ليجعله واليًا على أحد الأقاليم، وهذا الصحابي لو صبر بضع ساعات لاستدعاه عمر ليقلده المنصب الذي رشحه له، ولكن هذا الصحابي بادر الأمور قبل أن تقع, وذهب إلى أمير المؤمنين يسأله أن يوليه الإمارة، وهو نفسه الذي وقع عليه اختيار عمر، ويبتسم عمر لحكمة المقادير, ويفكِّر قليلًا ثم يقول لصاحبه:"قد كنا أردناك لذلك، ولكن من يطلب هذا الأمر لا يعان عليه، ولا يجاب إليه، ثم صرفه وولَّى".
كيف نوفق بين طلب سيدنا يوسف للولاية في الآية وبين نهي النبي لمن يريدها؟
الحقيقة أنّ لدينا نقطة دقيقة, وهي أن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام طلب الولاية، ألم يقل للملِك:
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
(سورة يوسف الآية: 55)
فكيف نوفِّق بين توجيه النبي عليه الصلاة والسلام:"إنا والله لا نولي هذا الأمر أحدًا يسأله أو يحرص عليه"
(ورد في الأثر)
وبين قول الله عزَّ وجل:
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
(سورة يوسف الآية: 55)
هناك توجيهان يمكن من خلالهما أن نوفِّق بين الآية الكريمة, وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام، فحينما طلب سيدنا يوسف من الملِك أن يتولى أمر خزانة مصر، وأمر تموينها، كانت الإمارة في ضائقة, وفي مجاعة كبيرة، وكان المنصب وقتها مغرمًا لا مغنمًا.
تصور في البلاد أزمة كبيرة جدًا، انهيار اقتصادي، وإنسان يقول: أنا أصلح الاقتصاد، هذا ليس طمعًا في مكاسب، بل هذا المنصب تضحيةٌ ومغامرةٌ بسمعته من أجل إنقاذ البلد من ورطةٍ محققة، هذا بعض فهْم المسألة.